الموهبةُ في امتحان السخرية ! – خالد الأنصاري

قد يحتمل صاحب الموهبة مشقة التعلّم، وطول التدريب، وعناء المحاولة، ثم تثقُل عليه كلمة ساخرة يلقيها عابر، أو عبارة استهزاء تصدر ممن كان يرجو منه التشجيع؛ فبعض الكلمات تمضي من لسان قائلها سريعًا، وتبقى في نفس سامعها طويلًا، تنازعه ثقته، وتكدّر عليه فرحته بما وهبه الله عزوجل من قدرة واستعداد.

ومن هنا تأتي دلالة حديث الدكتور غازي القصيبي - رحمه الله - إذ يجمع بين تأمل سلوك الناس تجاه المتفوق، واستعادة تجربة شخصية مع السخرية في بدايات الموهبة، ثم يوجّه صاحبها إلى الصبر والعمل، وألّا يجعل رضا الجميع شرطًا لمواصلة الطريق.

والذي قال فيه :(أعتقد أن الموضوع أساسًا له علاقة بالطبيعة البشرية، والطبيعة البشرية تكره التمايز؛ ونذكر جميعًا في الفصل إذا كان طالب يطلع الأول، نقول: إن هذا دودة كتب، عمّى عيونه بالمذاكرة! إذا لعب كرة يغار منه الناس، ويعتبرون عقله في رجليه.

إذا كان شاعر أيضًا .. ما في مجتمع بشري يشجع التميّز، لا في الغرب ولا في الشرق؛ فأعتقد أن أي صاحب موهبة يجب عليه أن لا يتوقع تصفيق الجميع له أو ترحيب الجميع؛ إذا ثبت وصمد وأثبت نجاحه سوف يأتيه الجميع، ولكن في البداية محتاج جهد، يحتاج إلى صبر.

أنا كنت أتلقى الكثير من السخرية من بعض المدرسين عندما يسألوا سؤالًا: نسمع الآن رأي شاعرنا الكبير! من باب الاستهزاء).

إن أول ما أستوقفني في هذه الكلمة للدكتور غازي القصيبي - رحمه الله - تلك القدرة على كشف الوسائل التي قد تتخذها بعض النفوس لتهوين تفوق الآخرين؛ فالاجتهاد في الدراسة يُختزل في لقب ساخر، والمهارة الرياضية تُجعل دليلًا على ضمور العقل، والموهبة الشعرية تتحول إلى مادة للتندر! وكأن المتفوق مطالب بأن يعتذر عن اجتهاده، أو يخفي موهبته، حتى يطمئن من تضيق نفسه برؤية الامتياز عند غيره.

وقد يجد المرء في التقليل من نجاح الآخرين راحة مؤقتة من مؤونة مراجعة نفسه؛ فمن الأسهل أن يسخر من اجتهاد المجتهد من أن يسلك سبيله، وأن يهوّن من إنجاز العامل من أن يصبر على تكاليف العمل.

وهكذا تصبح العبارة الساخرة ستارًا يحجب به صاحبها تقصيره، وإن لم يشعر بما وراء عبارته من دوافع.

على أن وصف الطبيعة البشرية بكراهية التمايز يُفهم في سياق التحذير من نزعة تقع في النفوس، ولا يستقيم حمله على جميع الناس؛ ففيهم المنصف الذي يفرح بنبوغ غيره، والمعلم الذي يكتشف الاستعداد ويرعاه، والصديق الذي يرى نجاح صاحبه زيادة في سروره.

والمجتمعات تجمع التشجيع والتثبيط، والإنصاف والحسد؛ والمقصود الذي ينتفع به صاحب الموهبة هنا أن يستعد لاحتمال الأذى، وألّا يفترض أن ظهور قدرته سيضمن له القبول من كل أحد.

ولعل أثقل ما في الحديث استعادة القصيبي سخرية بعض المدرسين منه؛ إذ ينتظر الطالب من معلمه أن يأخذ بيده، ويقوّم محاولته، ويفتح أمامه أبواب المعرفة؛ فإذا جاءه الاستهزاء من هذه الجهة، كان أعمق أثرًا؛ لما للمعلم في نفسه من مكانة، ولما يتوهمه الناشئ من أن حكمه على المحاولة حكم نهائي على القدرة.

وكم تحتاج البدايات إلى بصيرة تربوية تفرّق بين ضعف التجربة وضعف الاستعداد! فقد تكون القصيدة الأولى مضطربة، والمقالة الأولى متعثرة، والإجابة الأولى ناقصة؛ وكل ذلك موضع تعليم وتقويم.

أما تحويل المحاولة إلى أضحوكة، فإنه قد يحمل الناشئ على كتمان ما عنده، ويجعله يخشى التجربة أمام الناس، وربما انصرف عن باب كان يستطيع أن يحسن فيه لو وجد من يدلّه ويصبر عليه.

والتشجيع الصادق يقتضي أمانة في التقدير؛ فيُذكر للمبتدئ ما أحسن، ويُبصّر بما أخطأ، ويُرشد إلى ما يقرأ ويتعلم؛ فالثناء المطلق قد يخدعه، والسخرية قد تكسره، والكلمة العادلة تعينه على معرفة موضع قدمه، وتمنحه سببًا واضحًا للخطوة التالية.

ثم تأتي وصية القصيبي المركزية: ألّا يتوقع صاحب الموهبة تصفيق الجميع له؛ وهي وصية تحفظ للإنسان جهده من التبدد في استرضاء الناس؛ فإن من علّق عزيمته على اتفاقهم عليه ظل مضطربًا بتقلب أحكامهم، ينشط إذا مُدح، ويفتر إذا انتُقد، وربما ترك ما يحسن من أجل كلمة لم يحسن صاحبها القول.

فكبر الهمة يستدعي بذلًا يناسبها، ومن ذلك احتمال بطء النتائج، ومشقة التعلّم، ومراجعة العمل مرارًا حتى يستقيم. وقد تحتاج النفس، مع تعب الجسد، إلى صبر على قلة التقدير وتأخر الاعتراف.

غير أن الثبات على الطريق يحتاج إلى تمييز دقيق بين السخرية والنقد؛ فليس كل اعتراض حسدًا، ولا كل ملاحظة تثبيطًا، ولا كل من خالف صاحب الموهبة عدوًّا لنجاحه. ومن أخطر ما قد يصيب المرء أن يجعل هذه المعاني ذريعة لتحصين عمله من المراجعة، فيرى نفسه مصيبًا على الدوام، ويرى كل ناقد عاجزًا عن احتمال تميّزه.

إن الموهبة تنضج حين يتسع صدر صاحبها للنصح، ويعرف قدر حاجته إلى التعلم؛ ولهذا فإن أنفع الثبات ما صحبه تواضع للحق؛ يمضي المرء في عمله، ويستفيد من الملاحظة الصحيحة، ويتجاوز الأذى الذي لا يحمل علمًا ولا توجيهًا، وقد يجد فائدة في نقد قاسٍ، كما قد يجد ضررًا في مديح لا يستند إلى معرفة.

وفي قول القصيبي -رحمه الله-: «إذا ثبت وصمد وأثبت نجاحه» ترتيب يستحق التأمل؛ فالثبات يقي من الانقطاع، والصمود يعين على تجاوز العوائق، وإثبات النجاح يقتضي عملًا تظهر قيمته.

أما الاكتفاء بالشعور بالموهبة، أو الاسترسال في الشكوى من جحود الناس، فلا يغني عن تحصيل أدواتها وبذل أسباب نموها.

وفي صدر البيت تذكير بما للمكانة من مؤونة؛ فالسبق الذي يتمناه كثيرون يحتاج إلى صبر لا يبذله كل متمنٍّ، وإلى عمل يتجاوز لذة الحديث عن الطموح إلى مشقة الوفاء به.

ولا يلزم أن يأتي صاحب الموهبةَ الجميعُ بعد نجاحه؛ فقد يبقى من يجحد، وقد يقدّر العملَ بعضُ الناس ويغفل عنه آخرون؛ وحسب الإنسان أن يحسن ما تولاه، وأن ينفع بما تعلم، وأن يطلب لعمله أسباب الجودة والقبول، مستعينًا بالله عزوجل، بعيدًا عن استنزاف عمره في مراقبة التصفيق.

ورحم الله الدكتور غازي القصيبي؛ فقد حمل حديثه تنبيهًا لأصحاب المواهب، ومسؤولية للمربين كذلك: أن يصبر الأولون على البدايات، وأن يتقوا الله في كلماتهم الآخرون؛ فكم من استعداد ينتظر توجيهًا، ومحاولة تحتاج إلى فرصة، وناشئ لا يسأل ممن حوله إلا أن يأمن سخريتهم وهو يتعلم.

لا تجعل سخرية أحدٍ حكمًا على مستقبلك، ولا تجعل إعجابك بموهبتك حجابًا عن عيوب عملك؛ خذ من النقد ما يصلحك، وامضِ فيما ينفعك، واجعل جوابك الأوفى عملًا يزداد إتقانًا.

قد يحتمل صاحب الموهبة مشقة التعلّم، وطول التدريب، وعناء المحاولة، ثم تثقُل عليه كلمة ساخرة يلقيها عابر، أو عبارة استهزاء تصدر ممن كان يرجو منه التشجيع؛ فبعض الكلمات تمضي من لسان قائلها سريعًا، وتبقى في نفس سامعها طويلًا، تنازعه ثقته، وتكدّر عليه فرحته بما وهبه الله عزوجل من قدرة واستعداد.

ومن هنا تأتي دلالة حديث الدكتور غازي القصيبي - رحمه الله - إذ يجمع بين تأمل سلوك الناس تجاه المتفوق، واستعادة تجربة شخصية مع السخرية في بدايات الموهبة، ثم يوجّه صاحبها إلى الصبر والعمل، وألّا يجعل رضا الجميع شرطًا لمواصلة الطريق.