أربع مدارس كروية.. ومنتخبنا أمام الاختيار الأذكى قدمت لنا أهم وأوضح دروس المونديال أربعة، في كل كأس عالم ينشغل معظم الناس على كوكب الأرض بمتابعته وبالتخمين، من سيفوز بالكأس؛ أما المنتخبات التي تريد أن تصبح من الكبار، فيجب أن تنشغل بسؤال آخر أكثر أهمية وهو: كيف وصل الكبار إلى هناك؟، هذه هي القيمة الحقيقية للمونديال! إنه ليس بطولة لتتويج منتخب واحد، بل معرض عالمي مفتوح لأفضل الأفكار الكروية، وأفضل نماذج صناعة النجم، وأفضل المشاريع التي أثبتت نجاحها على أعلى مستوى. ومن يكتفي بالمتابعة والتصفيق للفريق المحبوب ومناكفة الغير بمقارنات ميسي ورونالدو، فسيرتوي بمشاهدة أربعة منتخبات مرصعة بالنجوم كلوحة فينسنت فان جوخ في نصف نهائي كأس العالم. أما من يقرأ ما وراء النتائج فسيرى أربع مدارس مختلفة في إنتاج الموهبة وبناء اللاعب؛ وهنا يتضح الدرس الحقيقي بشكل أكبر. إنجلترا عندما يصبح الدوري مصنعًا للمنتخب لسنوات طويلة، كان المنتخب الإنجليزي يُتَّهم بأنه يملك أفضل دوري في العالم، لكنه لا يملك منتخبًا يوازي تلك القوة. لكن الإنجليز لم يبحثوا عن حلول سريعة، بل أعادوا النظر في منظومتهم كاملة؛ فاستثمروا في تطوير المدربين، ورفعوا معايير الأكاديميات، وحسّنوا بيئة المنافسة، حتى أصبح اللاعب الإنجليزي يتدرب ويلعب أسبوعاً بعد أسبوع في بطولة تُعد الأكثر تنافسًا وربحية وانتشارًا في العالم، ووجود أفضل المدربين واللاعبين في الدوري الإنجليزي بلا شك جعل الاحتكاك اليومي مدرسة قائمة بذاتها. وليس من المصادفة أن الاتحاد الإنجليزي نفسه اعترف بعد إخفاقات الماضي بأنه درس التجربة الفرنسية واستفاد من كثير من عناصرها في تطوير تكوين اللاعبين. ولكن الأكيد بأن الإنجليز استوعبوا جيدًا أن لاعبي المنتخب لا يتطورون في معسكرات شهرية؛ وبأن كل لاعب يتطور يوميًا بمشاركته في دوري قوي. فرنسا الاستثمار في الطفل إذا كانت إنجلترا قد بنت مشروعها من قمة الهرم، فإن فرنسا بدأت من القاعدة.. بدأت من الطفل. قبل سنوات طويلة، أنشأ الاتحاد الفرنسي شبكة وطنية من مراكز تكوين المواهب، ثم أصبحت أكاديمية كليرفونتين رمزًا لهذا المشروع، قبل أن تتحول إلى نموذج عالمي في صناعة اللاعبين. ومن رحم هذا النظام خرجت أسماء مثل تييري هنري، وكيليان مبابي، وبرادلي باركولا، وعثمان ديمبلي، إلى جانب عشرات اللاعبين الذين صنعوا مجداً الكرة الفرنسية. اللافت أن كثيرًا من أفراد جيل 1998، ثم جيل 2018، ومعظم الجيل الفرنسي الحالي كانوا أبناء هذه المنظومة، ولذلك لم يكن فوز فرنسا بكأس العالم 2018 ووصولها لنهائي 2022 حدثًا معزولًا، بل نتيجة طبيعية لاستثمار طويل في التعليم الكروي، والانضباط، والإعداد النفسي، واكتشاف الموهبة مبكرًا. في فرنسا، اللاعب ليس مشروع مباراة؛ بل مشروع كروي وطني. الأرجنتين تصدير الموهبة لاستيراد الخبرة أما الأرجنتين، فاختارت طريقًا مختلفًا لأنها تدرك أن منافسة أوروبا اقتصاديًا ليست سهلة، لكنها تمتلك ثروة لا تُقدّر بثمن ألا وهي الموهبة. لهذا تحولت عملية انتقال اللاعبين إلى أوروبا في سن مبكرة إلى جزء من دورة التطور الطبيعية. لا يذهب اللاعب الأرجنتيني إلى أوروبا لأنه اكتمل؛ بل لأنه يريد أن يكتمل. فهناك يواجه مدارس تدريب مختلفة، وإيقاعاً أعلى، وضغطاً أكبر، ولاعبين من ثقافات متعددة، فيعود إلى منتخب بلاده أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، ولذلك أصبحت الأرجنتين تصدر اللاعبين ثم تستعيدهم على هيئة قادة كرويين. إسبانيا عندما تجتمع المدارس الأربع ثم تأتي إسبانيا وربما تكون التجربة الأكثر اكتمالًا؛ إذ عملت على دوري قوي، وأكاديميات تُعد من الأفضل عالميًا، وفلسفة لعب موحدة تبدأ من الفئات السنية، وانفتاح على احتراف اللاعبين عندما يكون ذلك مفيدًا لتطورهم. لم تعتمد إسبانيا على عنصر واحد إذ جمعت عناصر النجاح في مشروع واحد ولذلك بقيت على الرغم من تغير الأجيال قادرة على إنتاج لاعبين يحملون الهوية ذاتها، والفهم ذاته، واللغة الكروية ذاتها. والآن، ماذا عن كرة القدم في الدول الصاعدة كرويًا وبالأخص ماذا عن كرة القدم في المملكة العربية السعودية؟ وهذه هي القضية التي تعنينا؛ فرياضتنا لم تعد في مرحلة البحث عن مكان على الخريطة الدولية، والسعودية أصبحت لاعبًا مؤثراً في صناعة الرياضة العالمية؛ استضافت بطولات كبرى، وجذبت نجومًا عالميين، وضخت استثمارات غير مسبوقة. لكن السؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس كيف نجعل الدوري أقوى؟ بل كيف نجعل منتخبنا قويًا منافسًا بعد عشر سنوات؟ والفرق بين السؤالين كبير، فالأول يبحث عن نجاح قريب؛ أما الثاني فهو يبني مستقبلًا. في تقديري، لا ينبغي أن نختار مدرسة واحدة ونحن باستطاعتنا الاستفادة من الدروس الأربع كافة. من إنجلترا، نتعلم أن الدوري القوي يرفع مستوى اللاعب المحلي إذا كان جزءًا من مشروع تطوير، لا مجرد بطولة جماهيرية. ومن فرنسا، نتعلم أن الأكاديمية ليست ملعبًا جميلًا، بل منظومة علمية تبدأ باكتشاف الطفل وتنتهي بصناعة اللاعب. ومن الأرجنتين، نتعلم ألا نخشى احتراف لاعبينا في أوروبا وهم في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة، لأن الاحتكاك لا يقل أهمية عن التدريب. ومن إسبانيا، نتعلم أن النجاح الحقيقي لا يولد من قرار واحد؛ بل من تكامل المنظومة كلها. وكل ما أخشاه أن نقع في خطأ البحث عن الحل الأسرع؛ مرة نحمّل المدرب المسؤولية، ومرة نحمّل الدوري، وأخرى نحمّل الأندية، ورابعة نحمّل اللاعب، وخامسة، نحمل الإعلام أو الجماهير وقد تتكرر الأعذار بينما الحقيقة أن المنتخبات الكبرى لا تبحث عن متهم؛ بل تبني منظومة ولذلك يتكرر تواجدها في الأدوار النهائية. بالتأكيد سيرفع أحدهم كأس العالم بعد أيام. لكن البطولة الحقيقية، في نظري ليست تلك التي يحملها قائد المنتخب الفائز في ليلة الختام؛ بل البطولة الحقيقية هي النجاح في بناء مشروعهم الذي سيجعل الوصول للدور نصف النهائي أمرًا متكررًا، لا استثناء. هذا هو الدرس الذي قدمته لنا مشكورة منتخبات إنجلترا، وفرنسا، والأرجنتين، وإسبانيا، وهذا ما يجب أن نخرج به من المونديال، لا صور الاحتفالات، ولا أهداف النهائي، ولا التصفيق للنجوم المحببين؛ فالكأس تُرفع مرة واحدة. أما المشروع إذا أُحسن بناؤه؛ فإنه يرفع بيئة كرة القدم كاملة ولعقود. منتخب التانغو وتأكيد الأفضلية الإنجليز يتطلعون للقب جديد يامال الرياض - عبدالوهاب الوهيب