الموسيقى الصوتية للمذيع الناجح (1-2) – د. يحيى جابر

الشاشة وحدها ليست التي تصنع المذيع التلفزيوني، ولا الصورة وحدها هي التي تمنحه الحضور، فهناك عنصر آخر بالغ الأهمية، هو الصوت بكل ما يحمله من طبقة ونبرة وإيقاع وسرعة ووقفات وتنفس وانفعالات، والصوت في العمل الإعلامي ليس مجرد وسيلة لإخراج الكلمات، وإنما نظام متكامل يحمل المعنى ويمنح الجملة شخصيتها ويؤثر في الطريقة التي يستقبل بها الجمهور الرسالة، وتؤكد الدراسات الحديثة أن الخصائص الصوتية يمكن قياسها وتحليلها وربطها بإدراك المستمع لصفات المتحدث، ففي دراسة كمية منشورة عام 2020م، حلل شون نيسن وكوينت راندل وجاريد جونسون وجيني لينز 450 عينة صوتية من تقديمات ومداخلات لـ90 مذيعاً ومراسلاً تلفزيونياً من أسواق إعلامية كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وركز الباحثون على متوسط طبقة الصوت، وتغيراتها، ومدى اتساعها، ووجدوا أن المذيعين الرجال استخدموا في المتوسط طبقة صوت أعلى وتغيراً أكبر في الطبقة ومدى صوتياً أوسع مقارنة بالمتحدثين العاديين، بينما تحدثت المذيعات بمتوسط طبقة أقل قليلاً من النساء في عموم السكان، مع احتفاظهن أيضاً بدرجة أكبر من التنوع والمدى الصوتي، وهذه النتيجة مهمة لأنها تهدم الفكرة التقليدية التي تقول إن المذيع الناجح يجب أن يمتلك صوتاً عميقاً ومنخفضاً وثابتاً، فالدراسة تشير إلى أن الصوت الإعلامي المميز يقوم بدرجة كبيرة على التحكم والتنوع، وليس على الانخفاض وحده، «المصدرـ شون نيسن، كوينت راندل، جاريد جونسون، جيني لينز، «العناصر التنغيمية لتقديم المحتوى في الصحافة الإذاعية: دراسة كمية لطبقة الصوت»، مجلة الصوت، المجلد الرابع عشر، العدد الثاني، 2020م، الولايات المتحدة الأمريكية».

وقد نشر البحث في دورية علمية متخصصة، وهو من الأدلة التي تنقل دراسة الصوت الإعلامي من مجال الانطباع الشخصي إلى مجال القياس والتحليل، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للمذيع، فالمشاهد لا يستمع إلى الكلمات وحدها، وإنما يستمع إلى الطريقة التي تصل بها الكلمات إليه، ولذلك يمكن النظر إلى الصوت باعتباره «الموسيقى الخفية» للكلام، ليس لأنه موسيقى بالمعنى التقليدي، وإنما لأن داخل الكلام إيقاعاً وتوزيعاً زمنياً وتغيراً في الطبقة والشدة والتنغيم، والجملة الواحدة يمكن أن تتغير قوتها النفسية والإعلامية إذا تغيرت سرعة إلقائها أو موضع الوقفة أو نهايتها الصوتية، ولذلك فإن المذيع الذي يقرأ جميع الجمل بإيقاع واحد يحول النص إلى مادة مسموعة متشابهة، مهما كانت المعلومات التي يحملها النص مهمة، بينما يستطيع المذيع المتمكن أن يجعل لكل فكرة وزناً صوتياً مناسباً، فيسرع حيث تقتضي طبيعة المعلومات، ويبطئ عند المعلومة التي تحتاج إلى استيعاب، ويستخدم الوقفة عندما يريد توجيه الانتباه، ويغير النبرة عندما ينتقل من خبر إلى تفسير أو من معلومة إلى تعليق، وهذه ليست زخرفة صوتية، وإنما جزء من عملية تحرير الرسالة نفسها، ورأيي أن المذيع الذي لا يملك هذه القدرة قد يكون قارئاً جيداً للنص، لكنه لم يتحول بعد إلى صانع أداء إعلامي، وتكشف دراسة مهمة في علم الإقناع عن العلاقة بين خصائص الصوت وإدراك الثقة، فقد أجرى جوشوا غاير ولياندرا فابريغار وتوماس فون جونستون 3 تجارب علمية، شارك في الأولى 394 شخصاً، وفي الثانية 412، وفي الثالثة 397، ودرست التجربة الأولى سرعة الكلام والتنغيم، بينما درست التجربتان الثانية والثالثة طبقة الصوت، ووجد الباحثون أن سرعة الكلام والتنغيم وطبقة الصوت أثرت في الإدراك العام لثقة المتحدث، وأن هذه الثقة الصوتية يمكن أن تؤثر في الاتجاهات نحو الرسالة بطرق تختلف بحسب مقدار التفكير الذي يبذله المتلقي، فعندما يكون المتلقي أكثر انخراطاً في التفكير يمكن أن تؤثر الثقة الصوتية في تقييم الأفكار نفسها، وعندما يكون التفكير أقل عمقاً يمكن أن تعمل الثقة الصوتية بوصفها إشارة سريعة يعتمد عليها المتلقي في تكوين موقفه، «المصدرـ جوشوا غاير، لياندرا فابريغار، توماس فون جونستون، «سرعة الكلام والتنغيم وطبقة الصوت: دراسة في انحيازات وإشارات الثقة الصوتية في الإقناع»، مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، المجلد الخامس والأربعن، العدد الثالث، 2019م، جامعة كوينز، كندا».

وهذا يقودنا إلى قاعدة مهمة جداً في الأداء التلفزيوني، وهي أن سرعة الكلام ليست مجرد صفة شخصية، وإنما أداة إعلامية، فالمذيع لا ينبغي أن يسأل نفسه، هل أنا سريع أم بطيء؟ بل يسأل، ما السرعة التي تخدم هذه المعلومة؟ فالخبر العاجل يحتاج إلى حيوية ووضوح دون هلع، والنشرة الاقتصادية تحتاج إلى ثبات يساعد المشاهد على متابعة الأرقام والمصطلحات، والتقرير الإنساني يحتاج إلى مساحة زمنية تسمح للمعنى والمشاعر بالوصول، أما الحوار فيحتاج إلى سرعة مرنة تسمح للمذيع بأن يسأل ويستمع ويتدخل في الوقت المناسب، ولذلك فإن أفضل المذيعين ليسوا أصحاب سرعة واحدة، وإنما أصحاب قدرة على تغيير السرعة دون أن يفقدوا السيطرة على مخارج الحروف والمعنى، وقد أظهرت تجربة غاير وزملائه أن التلاعب بسرعة الكلام والتنغيم وحدهما يمكن أن يغير إدراك الثقة، وهذا يجعل السرعة جزءاً من صناعة الانطباع لا مجرد عادة نطقية، «المصدرـ غاير وفابريغار وفون جونستون، 2019م».