تشرفت أخيراً بحضور المحاضرة الافتتاحية التي ألقاها الأستاذ الدكتور مصطفى بوسمينة، رئيس الجامعة الأورومتوسطية بفاس، حول موضوع المواطنة باعتبارها ركيزة أساسية للتنمية؛ والدكتور بوسمينة عالم مرموق وأكاديمي متميز وصاحب براءات اختراع كثيرة، ينتمي إلى تلك الفئة من المثقفين الذين لا يفصلون المعرفة عن الالتزام بخدمة المجتمع. وقد ظل، من موقعه على رأس الجامعة الأورومتوسطية بفاس، يحمل تصوراً طموحاً للجامعة لا يجعل منها فضاءً للتكوين والبحث العلمي فحسب، بل أيضاً مدرسة للقيم ومختبراً لتكوين المواطن.
على امتداد ما يقارب ثلاث ساعات، بما في ذلك النقاش البناء، أخذتنا المحاضرة إلى ما هو أبعد من درس أكاديمي تقليدي؛ فكانت رحلة في تاريخ الأفكار وفي أسئلة الفلسفة الكبرى، وفي الوقت نفسه في التحديات الواقعية التي تواجه مجتمعاتنا المعاصرة. ومن ابن رشد إلى كانط، ومن روسو إلى سبينوزا، وصولاً إلى المقاربات الحديثة للرأسمال البشري والاجتماعي، تبلورت حقيقة أساسية: لا تنمية مستدامة من دون مواطنة مسؤولة.
نتحدث كثيراً، وبحق، عن النمو والاستثمار والبنية التحتية والابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ونقيس تقدم الدول بمعدلات الناتج الداخلي الخام، وبقوة الاقتصاد، وجودة الجامعات، والتنافسية، والرقمنة. غير أن هناك ثروة أخرى يصعب قياسها بالأرقام، لكنها لا تقل أهمية: ثروة الثقة والمسؤولية واحترام القانون والشعور بالانتماء إلى مصير مشترك.
فهي لا تختزل في احترام قانون السير أو المحافظة على نظافة الشارع أو المشاركة في الانتخابات. المواطنة وعي عميق بأن أفعال الفرد لا تخصه وحده، وإنما تترك أثراً في الآخرين وفي المجتمع بأسره. أن تكون مواطناً مسؤولاً يعني أن تدرك أن الفضاء العام ملك للجميع، وأن احترام القانون حماية للجميع، وأن الحفاظ على مدرسة أو حديقة، وترشيد استعمال الماء، وصون البيئة، واحترام الدور والممتلكات العامة، كلها تعبيرات مختلفة عن ضمير مدني واحد.
قد تمتلك دولة أحدث البنيات التحتية، لكن فعاليتها ستظل محدودة إذا غابت ثقافة المسؤولية. وفي المقابل، حين تسود الثقة بين المواطنين، وتحظى المؤسسات بالاحترام، ويعتبر الفرد الخير العام جزءاً من خيره الشخصي، تصبح السياسات العمومية أكثر نجاعة، والمؤسسات أكثر قوة، والتنمية أكثر استدامة.
وتكتسب هذه المسألة اليوم بعداً عالمياً. ففي عالم تهزه الأزمات الاقتصادية، والتحولات التكنولوجية المتسارعة، والتغيرات المناخية، والاستقطابات الاجتماعية، والتضليل الإعلامي وخطابات الكراهية، تصبح المواطنة حصناً من حصون تماسك المجتمعات وقدرتها على الصمود.
إن الأمم الكبرى لا تُبنى بالطرق والموانئ والمصانع والجامعات والمختبرات وحدها، وإنما تُبنى أيضاً بالسلوك وبأخلاق المسؤولية وبقدرة المواطن على تجسيد القيم التي يريد أن يراها حاضرة في مؤسسات بلاده.
وتبدأ تربية المواطن في الأسرة، ثم تستكملها المدرسة التي لا يجوز أن تقتصر رسالتها على نقل المعارف، بل عليها أن تعلم احترام الآخر والحوار وقبول الاختلاف، وأن تغرس الوعي بالحقوق بقدر ما تغرس الإحساس بالواجبات. أما الجامعة، فمهمتها ليست فقط تكوين مهندس أو طبيب أو محام أو باحث أو مقاول ناجح، وإنما أيضاً تكوين إنسان واعٍ بمسؤوليته تجاه مجتمعه وتجاه الأجيال القادمة.
لذلك فالمواطنة لا تنفصل عن التربية، كما لا تنفصل عن القدوة. فلا يمكن أن نطالب الشباب باحترام القواعد إذا رأوها تُنتهك باستمرار، ولا يمكن أن نعلّمهم قيمة الصالح العام إذا شعروا بأن البعض يضع نفسه فوق القانون. فالمواطنة لا تُفرض بمرسوم، بل تُنقل بالممارسة وتُغرس بالتربية وتترسخ بالنموذج.
لقد ذكّرتنا محاضرة الأستاذ مصطفى بوسمينة بحقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: التنمية بناء أخلاقي بقدر ما هي بناء اقتصادي.
نحتاج إلى مزيد من الاستثمار في العلم والتعليم والبنيات التحتية والتكنولوجيا، نعم، ولكننا نحتاج بالقدر نفسه إلى الاستثمار في الضمير المدني، والثقة، والمسؤولية، والحوار، واحترام الآخر، والإحساس بالصالح العام.
ثمة معارف تملأ المكتبات، وثمة معارف تنير الطريق. وقد أنارت هذه المحاضرة طريقاً نحو مجتمعات قادرة على الجمع بين التقدم المادي والارتقاء الأخلاقي، وبين الابتكار التكنولوجي والمسؤولية الإنسانية، وبين الحقوق الفردية والواجبات الجماعية.
فالمواطنة، في نهاية المطاف، ليست عنصراً إضافياً في مشروع التنمية، بل هي إحدى أعمق دعائمه وأرسخ أسسه.
- رئيس كرسي الأمم المتحدة لتحالف الحضارات
تشرفت أخيراً بحضور المحاضرة الافتتاحية التي ألقاها الأستاذ الدكتور مصطفى بوسمينة، رئيس الجامعة الأورومتوسطية بفاس، حول موضوع المواطنة باعتبارها ركيزة أساسية للتنمية؛ والدكتور بوسمينة عالم مرموق وأكاديمي متميز وصاحب براءات اختراع كثيرة، ينتمي إلى تلك الفئة من المثقفين الذين لا يفصلون المعرفة عن الالتزام بخدمة المجتمع. وقد ظل، من موقعه على رأس الجامعة الأورومتوسطية بفاس، يحمل تصوراً طموحاً للجامعة لا يجعل منها فضاءً للتكوين والبحث العلمي فحسب، بل أيضاً مدرسة للقيم ومختبراً لتكوين المواطن.
على امتداد ما يقارب ثلاث ساعات، بما في ذلك النقاش البناء، أخذتنا المحاضرة إلى ما هو أبعد من درس أكاديمي تقليدي؛ فكانت رحلة في تاريخ الأفكار وفي أسئلة الفلسفة الكبرى، وفي الوقت نفسه في التحديات الواقعية التي تواجه مجتمعاتنا المعاصرة. ومن ابن رشد إلى كانط، ومن روسو إلى سبينوزا، وصولاً إلى المقاربات الحديثة للرأسمال البشري والاجتماعي، تبلورت حقيقة أساسية: لا تنمية مستدامة من دون مواطنة مسؤولة.
نتحدث كثيراً، وبحق، عن النمو والاستثمار والبنية التحتية والابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ونقيس تقدم الدول بمعدلات الناتج الداخلي الخام، وبقوة الاقتصاد، وجودة الجامعات، والتنافسية، والرقمنة. غير أن هناك ثروة أخرى يصعب قياسها بالأرقام، لكنها لا تقل أهمية: ثروة الثقة والمسؤولية واحترام القانون والشعور بالانتماء إلى مصير مشترك.
فهي لا تختزل في احترام قانون السير أو المحافظة على نظافة الشارع أو المشاركة في الانتخابات. المواطنة وعي عميق بأن أفعال الفرد لا تخصه وحده، وإنما تترك أثراً في الآخرين وفي المجتمع بأسره. أن تكون مواطناً مسؤولاً يعني أن تدرك أن الفضاء العام ملك للجميع، وأن احترام القانون حماية للجميع، وأن الحفاظ على مدرسة أو حديقة، وترشيد استعمال الماء، وصون البيئة، واحترام الدور والممتلكات العامة، كلها تعبيرات مختلفة عن ضمير مدني واحد.
قد تمتلك دولة أحدث البنيات التحتية، لكن فعاليتها ستظل محدودة إذا غابت ثقافة المسؤولية. وفي المقابل، حين تسود الثقة بين المواطنين، وتحظى المؤسسات بالاحترام، ويعتبر الفرد الخير العام جزءاً من خيره الشخصي، تصبح السياسات العمومية أكثر نجاعة، والمؤسسات أكثر قوة، والتنمية أكثر استدامة.
وتكتسب هذه المسألة اليوم بعداً عالمياً. ففي عالم تهزه الأزمات الاقتصادية، والتحولات التكنولوجية المتسارعة، والتغيرات المناخية، والاستقطابات الاجتماعية، والتضليل الإعلامي وخطابات الكراهية، تصبح المواطنة حصناً من حصون تماسك المجتمعات وقدرتها على الصمود.