تُعد المنشآت الحجرية المنتشرة في أنحاء المملكة العربية السعودية من أبرز الشواهد الأثرية التي تعود إلى العصر الحجري الحديث، أي ما بين 7 إلى 10 آلاف سنة. وتمتاز هذه المنشآت بأشكال هندسية مدهشة، وبطابع جمالي يثير التساؤلات حول طرق بنائها وتعدد أغراضها، مما يجعلها من أهم دلائل العمق الحضاري في الجزيرة العربية.وعرّف نظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني الصادر عام 1436هـ/2014 المنشآت الحجرية بأنها كل أثر متصل بالأرض، مثل: الكهوف الطبيعية أو المحفورة، والصخور المنقوشة أو المرسوم عليها، والرجوم والدوائر الحجرية، وأطلال المدن والقرى، والمنشآت المائية، وطرق التجارة والحج القديمة، والأحياء التقليدية والمباني التاريخية وما يتصل بها من عناصر معمارية. **media[2759661]**شغف الاستكشافالتقت «عكاظ» المهتم بالتراث إبراهيم حسن الكيادي، الذي قاده شغفه بالمباني الطينية والآثار إلى رحلات استكشافية منتظمة في القرى والمواقع الطبيعية، والذي أشار إلى أنه قبل قيامه بأي رحلة يعتمد على البحث عبر خرائط Google Maps لتحديد المواقع، وعند وقوفه على المواقع يوثق المنشآت الحجرية بعدسته لإبراز معالمها لأنها جوانب مهمة من تاريخ المملكة، مؤكدًا أن هذه الشواهد تكشف عن عمق حضاري يمتد إلى عصور ما قبل التاريخ.ويشير الكيادي إلى أنه ومن خلال وقوفه على العديد من المواقع وجد أنها تتنوع أشكال المنشآت الحجرية، ومنها: الدوائر الحجرية، والمذيلات، والمسنّنات، والمثلثات، والمربعات والمستطيلات، والمنشآت المفتاحية (Keyhole)، والمصائد الصحراوية، والجدران الطويلة، مشيرا إلى أن وظائفها تتعدد بين الطقوس الدينية، والمدافن، والصيد، والمساكن، إضافة إلى كونها علامات طرق ومسارات. **media[2759659]**رؤية علميةومن جانبها توضح أستاذ تاريخ وآثار الجزيرة العربية القديمة بجامعة طيبة الدكتورة رحمة بنت عواد السناني، أن المنشآت الحجرية تنتشر في منطقة المدينة المنورة بين المدينة والعلا والعيص، مع تركز كبير في واحة خيبر حول مناطق الحرار البركانية.وتؤكد أستاذ التاريخ السناني، أن هذه المنشآت تمثل شواهد مضيئة على دور الجزيرة العربية في تطور الحضارة البشرية، وتكشف عن عمق تاريخي يمتد إلى العصر الحجري الحديث (النيوليثيك)، حيث يعود تاريخها إلى ما بين 7000 و10000 سنة قبل الميلاد، موضحة أن أشكال المنشآت الحجرية في منطقة المدينة المنورة، تتنوع ومن أبرزها: المستطيلات أو البوابات وهي منشآت ضخمة قد يصل طول بعضها إلى نصف كيلومتر، ويُرجح أنها استخدمت لممارسة طقوس اجتماعية أو دينية، ودوائر حجرية وهي منشآت دائرية الشكل، ربما استُخدمت للدلالة على الطرق أو لأغراض سكنية، ومذيلات وهي منشآت طويلة وضيقة، قد تكون استخدمت كمدافن أو علامات طرق، وربما ارتبطت بطقوس دينية منظمة.**media[2759660]**وقالت إن الباحثين رجحوا أن هذه المنشآت أدت عدة وظائف، منها: تحديد الطرق والمسارات، والاستخدامات السكنية، والطقوس الدينية والاجتماعية، والمدافن، والمصائد الصحراوية لصيد الوعول والأغنام، ومخازن أو حظائر لحفظ الحيوانات الحية للاستفادة منها لاحقًا.وأضافت أن هذه الاستخدامات كشفت قدرة الإنسان القديم على التكيف مع البيئة واستثمار مواردها بذكاء لافت، ومؤكدة أن هذه المنشآت الحجرية تحظى باهتمام كبير من الجهات المختصة، وتشمل الجهود: التوثيق والدراسة من خلال مشاريع بحثية لهيئة العلا وخيبر وجهات علمية أخرى، والصيانة والترميم لحمايتها من التدهور والعوامل الطبيعية، والحماية القانونية، موضحة أن النظام السعودي يمنع التعدي على المواقع الأثرية، ووضع عقوبات صارمة تشمل: السجن حتى 3 سنوات وغرامات تصل إلى 300 ألف ريال، والسجن من 6 أشهر إلى 7 سنوات وغرامات تصل إلى 500 ألف ريال لمن يستولي على أثر، والسجن من 3 أشهر إلى 3 سنوات وغرامات تصل إلى 300 ألف ريال لمن يتلف أو يطمس أثرًا.وقد وثقت هذه المنشآت في كتب وموسوعات، مثل موسوعة معالم المدينة المنورة، ضمن جهود علمية لحفظ هذا الإرث.أستاذة التاريخ أشارت إلى أن هذه المنشآت تعد فرصة سياحية واعدة بتعزيز الاقتصاد المحلي عبر جذب الزوار والمهتمين بالتراث.