حين تُقلَّب صفحات التاريخ العربي، يطلّ اليمن واحدًا من أعرق مواطن الحضارة في الجزيرة العربية؛ أرضًا ارتبط اسمها بالخصب والتجارة والعلم، واحتضنت سبأ وحمير، وظلت جزءًا أصيلًا من الذاكرة العربية والإسلامية. ولم يكن وصفه بـ«اليمن السعيد» مجرد زخرفة أدبية، بل صورة اختزنت معاني الأرض الخصبة، والإنسان الكريم، والموقع الذي يصل جنوب الجزيرة بطرق التجارة والحج.
ومنذ قرون، تشكلت بين جنوب الجزيرة ووسطها وشائج عميقة من الدين واللغة والحج والتجارة والنسب، وتجاوزت تلك الروابط حدود الجغرافيا لتصنع تواصلًا إنسانيًا وعلميًا وفكريًا متصلًا. ويبدأ الشاهد المؤرَّخ لتواصل الدولة السعودية مع اليمن من سنة 1215هـ/1800م، حين وصلت إلى الإمام المنصور في صنعاء مجلدات بعث بها الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود رحمهما الله، ثم تتابعت المراسلات في العام التالي، وقد حفظ الإمام الشوكاني جانبًا منها، بما يكشف عن حضور التواصل العلمي والفكري بين نجد واليمن في مرحلة مبكرة من الدولة السعودية الأولى.
ومن هنا، لا يمكن اختزال العلاقة بين المملكة العربية السعودية واليمن في مجرد جوار تفرضه الجغرافيا؛ فهي أعمق من الحدود السياسية الحديثة، وأقدم من المعاهدات، وأوسع من الظرف السياسي الراهن. إنها علاقة تشكلت من الدين واللغة والتاريخ والمصاهرة والمصالح، وظهرت عبر القرون في العلم والدعوة والتجارة والحج وحركة الناس، ثم امتدت إلى السياسة، واستمرت في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود -طيَّب الله ثراه- في سياقات متعددة.
وليس استحضار التاريخ غايته الوقوف عند الماضي، وإنما يساعد على فهم الحاضر واستشراف المستقبل. فحين تعرض اليمن لأزمات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، لم ينحصر أثرها داخل حدوده، بل امتد إلى محيطه الإقليمي؛ إذ يرتبط استقرار اليمن بأمن الجزيرة العربية، وسلامة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وقدرة اليمنيين على استعادة مؤسسات دولتهم وحياتهم الطبيعية.
ومن هذا المنطلق جاء الحضور السعودي متعدد الأبعاد: أمن يحمي، وإغاثة تخفف، وتنمية تفتح طريق التعافي. فالمملكة أكبر داعم تاريخي لليمن إنسانيًا وتنمويًا واقتصاديًا.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبتمكين من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله-، تأسس البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن عام 2018م بأمر سامٍ، ليأخذ الدعم مسارًا مؤسسيًا بالتنسيق مع الحكومة اليمنية. وقدّم البرنامج 268 مشروعًا ومبادرة في ثمانية قطاعات حيوية، بتكلفة تجاوزت مليار دولار، أسهمت في رفع كفاءة البنية التحتية والخدمات الأساسية، وتعزيز الأمن الغذائي، وبناء قدرات الكوادر اليمنية، وتوفير فرص العمل.
وهنا تتجاوز التنمية معناها الفني؛ فالمدرسة ليست مبنى فحسب، والمستشفى ليس جدرانًا وأجهزة، ومحطة الكهرباء ليست مشروعًا عابرًا. كل ذلك يعني عودة الحياة إلى مسارها الطبيعي، ويفتح للشاب طريق التعليم والعمل، ويمنح الأسرة قدرًا أكبر من الاستقرار، ويهيئ الاقتصاد للحركة والإنتاج.
وقد أكدت خطوات عام 2026م استمرار هذا النهج؛ فبتوجيهات القيادة الرشيدة -أيَّدها الله- قدمت المملكة عبر البرنامج دعمًا للموازنة اليمنية تعزيزًا للاستقرار المالي وانتظام التدفقات الحكومية وتقليل عجز الموازنة.
وينعكس ذلك على القوة الشرائية وانتظام دخل الأسر وتنشيط الأسواق ودفع التعافي. كما قدمت دعمًا عاجلًا للمشتقات النفطية لتشغيل أكثر من سبعين محطة كهرباء في مختلف المحافظات، مساندةً القطاعات الحيوية المرتبطة بالطاقة.
وفي الجانب الإنساني، يواصل مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية برامجه الغذائية والصحية والإيوائية ومشروعات سبل العيش، ومن أبرز النماذج مشروع «مسام» لتطهير الأراضي من الألغام والذخائر غير المنفجرة. فإزالة اللغم لا تعيد طريقًا إلى الخدمة فحسب، بل ترفع خوفًا عن أسرة، وتحمي طفلًا، وتمنح مزارعًا القدرة على العودة إلى أرضه. وهنا تصبح الإغاثة أكثر من استجابة آنية؛ تصبح استعادةً للثقة بالحياة وتهيئةً لعودة الإنسان إلى أرضه وعمله.
غير أن التنمية لا تمضي في بيئة يهددها السلاح، ولا يستعيد الاقتصاد عافيته في اضطراب أمني دائم، ولا تؤدي الاستثمارات دورها إذا بقيت مؤسسات الدولة عرضة للتعطيل. ولذلك ظل الأمن شرطًا أساسيًا للتنمية، كما أصبحت التنمية في الوقت نفسه أداة لتثبيت الاستقرار ومعالجة جذور الهشاشة.وفي هذا السياق جاء بيان مفتي عام المملكة، رئيس هيئة كبار العلماء والرئيس العام للبحوث العلمية والإفتاء، الشيخ الدكتور صالح الفوزان، في سبتمبر 2026م، مؤكدًا أن إعادة الأمن والاستقرار في اليمن في ظل قيادته الشرعية من أوجب الواجبات، وأن يعيش اليمنيون في أمن ورخاء، وتستعيد دولتهم قدرتها على النهضة والتماسك. ودعا المرابطين وقوات التحالف إلى وحدة الصف في مواجهة جماعة الحوثي التي وصفها بأنها «عصابة شر» و«دسيسة الأعداء».وتتجاوز القضية اليمنية اليوم حدود الشأن المحلي، إذ تتقاطع تطوراتها الأمنية مع أمن البحر الأحمر وباب المندب وحركة التجارة الدولية. وفي 25 سبتمبر 2026م، دان مجلس الأمن الدولي استمرار هجمات الميليشيات الحوثية على المملكة، بما شمل استهداف مدنيين وبنية تحتية للطاقة، وأعرب عن القلق من تداعيات التصعيد على أمن المنطقة والملاحة، مجددًا دعمه لسيادة اليمن ووحدته وجهود السلام.
ولم تسلم مكة المكرمة، بقدسيتها ومكانتها في وجدان المسلمين، من اعتداءات ميليشيا الحوثي التي تطلق على نفسها اسم «أنصار الله». فاستهداف قبلة المسلمين وتهديد أمن الحرمين الشريفين لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تصعيد عسكري عابر، لما يحمله من مساس بحرمة أقدس بقاع المسلمين. ومن هنا، فإن الاعتداء على مكة المكرمة يتجاوز أثره حدود المملكة إلى مشاعر الأمة الإسلامية كلها، ويجعل حماية المقدسات مسؤولية تتطلب وعيًا وتكاتفًا وموقفًا دوليًا أكثر حزمًا تجاه مصادر التهديد والدعم العسكري الذي يمكّن من استهداف المدنيين والمقدسات.
والمملكة، التي ائتمنها الله على خدمة الحرمين الشريفين، تقف بحزم لحماية مكة والمدينة، معتمدة على الله ثم على جاهزية منظومتها الدفاعية. وهي بذلك لا تحمي أرضها فحسب، بل تحمي قبلة المسلمين ومقدساتهم، وتحفظ أمن ملايين المسلمين الذين تتجه أنظارهم وقلوبهم إليها كل يوم.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: ففي الوقت الذي تُضخ فيه الموارد لبناء مدرسة ومستشفى وطريق ومحطة كهرباء، ودعم الرواتب والموازنة، تستمر الحرب في استنزاف الفرص، ويدفع الإنسان اليمني ثمنًا مضاعفًا لأزمة طال أمدها. فكل مشروع تنموي يحتاج إلى بيئة آمنة، وكل فرصة عمل تحتاج إلى اقتصاد مستقر، وكل حلم لشاب يحتاج إلى دولة قادرة على حماية مستقبله.
ومن ثم، لا ينبغي أن تُفهم مساندة المملكة لليمن باعتبارها استجابة لظرف طارئ فحسب، بل بوصفها إسهامًا في استقرار الإنسان والدولة والمنطقة. وهذا هو الفارق بين مساعدة تعالج أثر الأزمة، وتنمية تسعى إلى بناء القدرة على تجاوزها.