ليست كل مشاركةٍ دولية تُقاس بمكان انعقادها، ولا بعدد الكلمات التي تُقال في قاعاتها، وإنما بما تحمله الدولة إلى تلك القاعة من تجربةٍ وثقلٍ ورؤية، وبما تستطيع أن تضيفه إلى النقاش حين تتحدث عن مستقبل العالم.
ومن هنا تأتي مشاركة وزير المالية السعودي محمد بن عبدالله الجدعان في الاجتماع الثاني لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة العشرين، الذي عُقد في مدينة أشفيل بولاية نورث كارولاينا الأميركية يومي 31 أغسطس و1 سبتمبر 2026، في ظل الرئاسة الأميركية للمجموعة. ولم تكن المشاركة السعودية حضورًا في جدول أعمال دولي فحسب، بل كانت فرصةً جديدة لقراءة التحول الذي صنعته المملكة في اقتصادها، حتى أصبح هذا التحول جزءًا من النقاش العالمي حول النمو والاستقرار والمرونة الاقتصادية.
فمجموعة العشرين ليست منتدىً عابرًا؛ إنها واحدة من أهم منصات التنسيق الاقتصادي الدولي، إذ تمثل دولها أكثر من 85 %من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ونحو 75 %من التجارة الدولية. ومنذ نشأتها عام 1999، ثم انتقالها إلى مستوى القادة بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، أصبحت الطاولة التي تُناقش عليها قضايا الاقتصاد والمال والاستقرار العالمي.
أن تجلس المملكة على هذه الطاولة اليوم، إذن، ليس مجرد استمرارٍ لعضويةٍ تأسست قبل عقود؛ بل هو نتيجة لمسار طويل أعاد بناء أدوات الاقتصاد السعودي ومؤسساته وقدرته على التعامل مع عالم شديد التقلب.
من اقتصادٍ يتأثر بالصدمات إلى اقتصادٍ يصنع أدوات الصمود
اللافت في كلمة وزير المالية محمد الجدعان أن المملكة لم تدخل النقاش العالمي من موقع المتلقي، وإنما من موقع الدولة التي تحمل تجربة قابلة للقراءة.
ففي جلسة التطورات الاقتصادية العالمية، أكد أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرة على الصمود، لكنه أصبح أكثر عرضة للهشاشة، مشددًا على أن تأمين بدائل الإنتاج، وتوفير المخزونات، والحفاظ على البنية التحتية ذات الطاقة الاستيعابية الاحتياطية، تمثل خط الدفاع الأول أمام الصدمات الاقتصادية.
وهنا تحديدًا تتجاوز الكلمة حدودها الدبلوماسية؛ لأنها تلامس جوهر التجربة السعودية نفسها.
فالمملكة التي بنت خلال السنوات الماضية منظومة واسعة في الطاقة واللوجستيات والبنية التحتية والتمويل، لم تكن تبني مشروعات منفصلة عن بعضها، بل كانت تعيد تشكيل قدرة الاقتصاد على الحركة عندما تتغير الظروف.
ولعل شهادة صندوق النقد الدولي في يوليو 2026 تمنح هذه القراءة وزنًا إضافيًا؛ إذ أكد أن الاقتصاد السعودي أثبت مرونة في مواجهة الاضطرابات، مستندًا إلى أساسيات قوية وبنية نفطية ولوجستية متنوعة، وإلى قدرة السلطات على تخفيف الاختناقات وإعادة توجيه حركة الإمدادات. كما أشار إلى أن الناتج المحلي الإجمالي نما 4.6 % في عام 2025، وأن التضخم ظل دون 2 %، مع استمرار قوة القطاع المصرفي وراحة مستويات الاحتياطيات.
وهنا تظهر قيمة التجربة: الدولة القوية اقتصاديًا ليست التي لا تتعرض للصدمات، وإنما التي تمتلك من الأدوات ما يجعل الصدمة ظرفًا يمكن إدارته، لا قدرًا يفرض عليها مسارها.
رؤية 2030.. حين تتحول الرؤية من وثيقة إلى قدرة
قبل سنوات، كانت «رؤية السعودية 2030» مشروعًا طموحًا لإعادة صياغة الاقتصاد والمجتمع والدولة. واليوم أصبحت نتائجها جزءًا من المؤشرات التي تقرأها المؤسسات الاقتصادية الدولية.
فبحسب التقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2025، أصبحت الأنشطة غير النفطية تمثل 55 % من الناتج المحلي الحقيقي، بينما توسع دور القطاع الخاص، وتراجعت معدلات البطالة بين السعوديين إلى مستويات تاريخية منخفضة، بالتوازي مع استمرار الاستثمار في قطاعات جديدة وتنمية مصادر النمو. كما سجل الاقتصاد نموًا حقيقيًا بلغ 4.5 % في 2025، ونموًا للأنشطة غير النفطية بلغ 4.9 %.
وهذه الأرقام لا ينبغي النظر إليها بوصفها مجرد مؤشرات اقتصادية؛ لأنها في حقيقتها تسجل انتقالًا تاريخيًا في بنية الاقتصاد السعودي.
فحين يصبح أكثر من نصف الناتج الحقيقي قائمًا على الأنشطة غير النفطية، فإن المسألة لا تعود تنويعًا في مصادر الدخل فحسب، وإنما تصبح إعادة تعريف لمصادر القوة الاقتصادية نفسها.
لم تكن رؤية 2030 خطةً تنتظر المستقبل؛ بل كانت مشروعًا لإعادة صناعة الحاضر حتى يصبح المستقبل ممكنًا.
وهذه هي النقطة التي تجعل حضور المملكة في مجموعة العشرين أكثر دلالة: فالذي تتحدث عنه المملكة على طاولة الاقتصاد العالمي هو في جانب كبير منه ما قامت ببنائه داخل اقتصادها.
ولأن الإنجاز الوطني لا تصنعه مؤسسة منفردة، فإن قراءة المشاركة السعودية تقتضي النظر إلى المشهد بأكمله.
فوزير المالية رأس الوفد السعودي، وضم الوفد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن بن محمد السياري، إلى جانب عدد من مسؤولي وزارة المالية والبنك المركزي. وكانت الملفات المطروحة تمتد من النمو والتوازنات العالمية إلى استدامة الدين والشفافية والمرونة الاقتصادية.
لكن خلف هذا الوفد تقف منظومة أكبر: وزارة المالية، والبنك المركزي السعودي، وصندوق الاستثمارات العامة، والجهات التنظيمية، والمؤسسات الاقتصادية، والقطاع الخاص، والشركات الوطنية، والكوادر السعودية التي أصبحت جزءًا من صناعة القرار الاقتصادي وإدارة المشاريع والاستثمارات والأسواق.
وهنا تكمن إحدى أهم التحولات التي صنعتها المرحلة الراهنة؛ إذ لم تعد التنمية مشروعًا حكوميًا بالمعنى التقليدي، وإنما أصبحت شبكة متكاملة تتداخل فيها الدولة والقطاع الخاص والاستثمار والتمويل والابتكار والموارد البشرية.
لقد اتسع مفهوم المشاركة في التنمية، وأصبح كل مستثمر، وكل مؤسسة، وكل شركة وطنية، وكل متخصص، وكل شاب وشابة يعملون في الاقتصاد الجديد، جزءًا من الصورة التي تقدمها المملكة للعالم.
قوة الاقتصاد السعودي اليوم ليست في حجم موارده فقط، وإنما في عدد الأدوات التي أصبح قادرًا على استخدامها.
من طاولة النفط إلى طاولة الاقتصاد العالمي
وإذا أردنا قراءة هذه اللحظة بعين التاريخ، فإن المشهد أعمق من اجتماعٍ عُقد في مدينة أميركية. ففي مراحل سابقة من التاريخ الاقتصادي للمملكة، كان العالم ينظر إلى السعودية أساسًا باعتبارها قوة نفطية كبرى. أما اليوم، فإن الصورة أصبحت أكثر تركيبًا: دولة طاقة، ودولة استثمار، ودولة لوجستيات، ودولة أسواق مالية، ودولة سياحة وصناعة وتقنية، ودولة تمتلك طموحًا متزايدًا في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.
وهذا التحول لم يحدث بضربة واحدة؛ بل جاء نتيجة سنوات من إعادة بناء المؤسسات والسياسات والقطاعات.
وقد أكد صندوق النقد الدولي أن الإصلاحات المرتبطة برؤية 2030 أسهمت في تقوية المؤسسات، وتعزيز الاقتصاد غير النفطي، وتوسيع دور القطاع الخاص، ودفع التنويع الاقتصادي، كما أشاد بدور المملكة القيادي في المحافل متعددة الأطراف، ومنها مجموعة العشرين.
ولذلك فإن الحديث السعودي في مجموعة العشرين عن النمو المستدام، واستدامة الدين، والمرونة، والبنية التحتية، والذكاء الاصطناعي، ليس حديثًا نظريًا منفصلًا عن الواقع؛ بل هو حديث دولة تختبر هذه الملفات في اقتصادها يوميًا.