في فيينا، لم يكن الإعلان السعودي عن موارد تُقدَّر بنحو 110 ملايين طن من الخام في مشروع جبل صايد بمنطقة المدينة المنورة مجرد رقم جديد يُضاف إلى سجل الثروات المعدنية للمملكة؛ فالرقم، على أهميته، ليس القصة كلها. القصة الأعمق أن السعودية تقرأ ما تحت أرضها بعين مختلفة: عين لا تكتفي بمعرفة ما تملك، بل تبحث في كيفية تحويله إلى قيمة اقتصادية، وصناعة، وطاقة، ومعرفة، ومكانة في اقتصاد المستقبل.
وخلال أعمال الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، أوضح صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة، وزير الصناعة والثروة المعدنية، أن أعمال الاستكشاف والدراسات الجيولوجية في مشروع جبل صايد أظهرت موارد تقدّر بنحو 110 ملايين طن من الخام، تحتوي على تركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة، ولا سيما العناصر الثقيلة منها، إلى جانب تركيزات واعدة من اليورانيوم. وهنا تبرز الدقة التي ينبغي ألا تضيع وسط وهج الخبر: الحديث ليس عن 110 ملايين طن من اليورانيوم، وإنما عن خام متعدد العناصر يحمل إمكانات إستراتيجية، من بينها اليورانيوم.
لكن أهمية مشاركة وزير الطاقة في فيينا تتجاوز إعلان الرقم ذاته. فقد جاءت الكلمة السعودية لتضع الاكتشاف داخل تصور متكامل لمستقبل الطاقة والثروة المعدنية؛ تصور يؤكد أن البرنامج النووي السعودي سلمي، وأن تطويره يقوم على الشفافية والتعاون الدولي، بالتوازي مع بناء القدرات الوطنية وتعظيم الاستفادة من الموارد المعدنية. وفي ذلك تتقدم السعودية من الحديث عن امتلاك الموارد إلى الحديث عن كيفية بناء اقتصاد متكامل حولها.
وهذه الدقة تكشف جوهر التحول؛ فالمملكة لا تنظر إلى الجيولوجيا باعتبارها مخزونًا من معدن واحد، بل باعتبارها منظومة ثروات يمكن اكتشاف عناصرها وربطها بسلاسل قيمة جديدة. وفي عالم تتسع فيه المنافسة على المعادن الحرجة والعناصر الأرضية النادرة ومدخلات الطاقة والتقنية، تصبح معرفة ما تختزنه الأرض جزءًا من القوة الاقتصادية للدولة.
وجبل صايد ليس اسمًا مستحدثًا في الخريطة الجيولوجية السعودية؛ فمؤشرات اليورانيوم في المنطقة معروفة منذ أعمال استكشاف ودراسات جيولوجية أقدم، فيما أظهرت التقارير الدولية السابقة وجود موارد يورانيوم مستدل عليها في جبل صايد ومناطق أخرى من المملكة. وهذه الحقيقة تمنح الإعلان الحالي بعدًا تاريخيًا: ما نشهده ليس نتيجة لحظة إعلامية، بل حصيلة تراكم من أعمال المسح والاستكشاف وفهم البنية الجيولوجية للمملكة. وفي الوقت نفسه، تفرض الدقة العلمية التمييز بين الموارد المستدل عليها وبين الاحتياطيات الاقتصادية القابلة للإنتاج التجاري.
وهذه المساحة الجيولوجية الواسعة ليست مفاجئة في بلد يمتلك تكوينًا صخريًا شديد التنوع؛ فجزء كبير من أراضي المملكة يرتبط بتكوينات الدرع العربي النوبي القديمة التي يتجاوز عمرها مليار عام، إلى جانب أقاليم جيولوجية أخرى تشكلت في عصور مختلفة. ومن ثم فإن أعمال الاستكشاف لا تبحث عن مورد منفرد بقدر ما تعيد رسم خريطة الثروة المعدنية السعودية، وتكشف مع كل دراسة جديدة عن إمكانات يمكن أن ترتبط بصناعات المستقبل.
ومن هنا ينتقل المشهد من التعدين إلى الطاقة. فاليورانيوم، في الاستخدامات السلمية، ليس مجرد مادة تُقاس قيمتها بما تحت الأرض؛ بل هو أحد مدخلات دورة الوقود النووي التي يمكن أن تخدم إنتاج الكهرباء وتحلية المياه والتطبيقات الصناعية، إلى جانب بناء قدرات علمية وهندسية متقدمة. ولهذا جاء المشروع الوطني للطاقة الذرية ضمن رؤية المملكة 2030، بوصفه جزءًا من مزيج طاقة أكثر تنوعًا، يتيح استخدام الموارد بكفاءة أعلى ويخفف استهلاك الهيدروكربونات محليًا، بما يحافظ على قيمتها لاستخدامات اقتصادية أعلى.
والطريق إلى ذلك لم يبدأ اليوم. فقد اتخذت المملكة خطواتها الرسمية في مجال الطاقة الذرية منذ أكثر من عقد، ثم تأسست مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة عام 2010، ضمن توجه يستهدف بناء قدرات وطنية في الطاقة النووية والمتجددة، قبل أن يتطور المسار ضمن رؤية 2030 إلى مشروع وطني أكثر اتساعًا. وبذلك انتقلت الطاقة الذرية من فكرة بعيدة المدى إلى ملف مؤسسي له تشريعاته، ومشاريعه، وكفاءاته، وشراكاته الدولية.
واللافت أن المسار السعودي لا يقف عند بناء محطة نووية؛ بل يتجه إلى بناء منظومة متكاملة تمتد من الاستكشاف والتعدين إلى دورة الوقود، ومن إنتاج الكهرباء إلى تحلية المياه، ومن التقنية إلى تأهيل الكفاءات الوطنية. وتشمل الخطط الرسمية المحطة النووية الكبيرة، والمفاعلات الصغيرة النمطية، ودورة الوقود النووي، والإطار الرقابي، بما يجعل الطاقة الذرية جزءًا من منظومة تنموية أوسع لا مشروعًا منفصلًا عن الاقتصاد.
وهنا جاءت رسالة وزير الطاقة، وزير الصناعة والثروة المعدنية، في فيينا أكثر وضوحًا: الطموح السعودي لا يتوقف عند استخراج الخام أو تصدير المركزات، بل يمتد إلى بناء سلسلة قيمة اقتصادية وصناعية متكاملة تبدأ بالاستكشاف والتعدين، ثم المعالجة والفصل والتكرير، وإنتاج أكاسيد العناصر الأرضية النادرة، واسترداد اليورانيوم وتنقيته، وصولًا إلى إنتاج الكعكة الصفراء وسلسلة قيمتها، متى أثبتت الجدوى الاقتصادية ذلك، وفي إطار الشفافية والالتزامات الدولية. وهذه النقلة هي جوهر الاقتصاد المعدني الحديث: ألا تكون الثروة نهاية السلسلة، بل بدايتها.
وفي هذا السياق، يصبح اليورانيوم نفسه جزءًا من رؤية أوسع لتوطين سلسلة القيمة؛ إذ لا يقتصر التفكير على استخراج الخام، بل يمتد إلى الاستكشاف والتعدين والمعالجة وتطوير الوقود وبناء المعرفة المرتبطة به. وهذا النوع من التفكير هو الذي يحول الموارد الطبيعية من صادرات خام إلى قاعدة لصناعة معرفية وتقنية، ويخلق مجالًا لتأهيل الكفاءات الوطنية في تخصصات علمية وهندسية عالية القيمة.
والأكثر دلالة أن المملكة لا تنظر إلى اليورانيوم باعتباره ثروة لا تُستخرج إلا من المناجم. فهناك مسار آخر يرتبط بصناعة الفوسفات؛ إذ يتحرك البرنامج الوطني لاستكشاف اليورانيوم وتقييم فرص الاستفادة الاقتصادية منه عبر مسارات مترابطة، من بينها استرداد اليورانيوم المصاحب لعمليات إنتاج حمض الفوسفوريك في صناعة الأسمدة الفوسفاتية شمال المملكة. كما أُعلن عن أعمال تجريبية بالتعاون مع مجموعة «أورانو» الفرنسية أظهرت مؤشرات اقتصادية واعدة في هذا المجال.
وهنا تظهر إحدى أهم زوايا القصة: المورد الواحد يمكن أن يفتح أكثر من باب للقيمة. فالمملكة التي رسخت حضورها عالميًا في صناعة الأسمدة الفوسفاتية، والتي تُعد «معادن» ثاني أكبر مُصدّر عالمي لأسمدة الفوسفات، لا تتعامل مع سلسلة الإنتاج بوصفها طريقًا ينتهي عند المنتج النهائي، بل تبحث عن فرص جديدة داخل السلسلة نفسها. وتبلغ الطاقة الإنتاجية للفوسفات لدى «معادن» نحو 6 ملايين طن سنويًا، مع توسعات تستهدف رفعها إلى 9 ملايين طن سنويًا عبر مشروع فوسفات 3 .