من الصعب في تقدير كثير من الخبراء والمحللين العسكريين، أن يُقال إن المملكة دخلت حرب اليمن وهي تبحث فقط عن حسم عسكري سريع، إذ لو كان ذلك هو هدفها الوحيد، لكان بإمكانها أن تتعامل مع الحرب بمنطق مختلف تمامًا، يجعل إسقاط الحوثيين وإنهاء المعركة في أقصر وقت ممكن أولوية تتقدم على ما عداها، غير أن المملكة اختارت طريقًا أكثر تعقيدًا، فلم تتعامل مع اليمن بوصفه أرضًا معادية ينبغي إخضاعها، ولا مع شعبه باعتباره طرفًا في الخصومة، وإنما باعتباره بلدًا عربيًا شقيقًا، تجمعها به روابط التاريخ والجغرافيا والمصالح والمصير المشترك، وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التي كثيرًا ما تغيب عن قراءة المشهد اليمني، فامتلاك القدرة على الحسم العسكري شيء، واختيار استخدام هذه القدرة دون قيود شيء آخر، وبين الأمرين مسافة واسعة تصنعها حسابات الدولة، وحرمة الدم، وحماية المدنيين، ومستقبل البلد الذي تدور فيه الحرب، فالحرب التي يكون هدفها إسقاط الخصم بأي ثمن يمكن أن تنتهي سريعًا إذا أُطلقت القوة من عقالها، أما الحرب التي تضع في حساباتها ألا يتحول الانتصار العسكري إلى هزيمة إنسانية، وألا يؤدي تدمير الخصم إلى تدمير البلد نفسه، فإنها بالضرورة تصبح أكثر تعقيدًا وأطول زمنًا.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس فقط، لماذا طال أمد الحرب في اليمن، وإنما لماذا اختارت المملكة طريقًا أطول وأكثر تعقيدًا، وهي التي تملك من أدوات القوة ما يجعلها قادرة على خوض مواجهة عسكرية مختلفة، والإجابة في تقديري تبدأ من طبيعة الموقف السعودي نفسه، فالمملكة لم تدخل اليمن بحثًا عن أرض جديدة، ولا رغبة في إخضاع شعب، ولا سعيًا إلى تغيير هوية بلد عربي، وإنما دخلته في إطار موقف معلن لدعم الدولة اليمنية ومؤسساتها، ومواجهة خطر مليشيا انقلابية استولت على مؤسسات الدولة الشرعية بقوة السلاح، وأطاحت بمسار التحول السياسي الذي كان اليمنيون قد اتفقوا عليه، ثم تحولت الحرب معها تدريجيًا إلى صراع تتداخل فيه الحسابات اليمنية والإقليمية والدولية، لهذا فإن قراءة طول الحرب هي قراءة تختزل مشهدًا بالغ التعقيد في معادلة واحدة، لأن الفارق كبير بين جيش نظامي يمتلك أحدث منظومات التسليح والتقنية والتدريب، وبين مليشيا انقلابية مدعومة من الخارج، تخوض حرب استنزاف، وتتحرك داخل تضاريس وعرة، وتستفيد من طبيعة الحرب غير النظامية، ومن امتداد الصراع إلى المجالين السياسي والاجتماعي، ومن الدعم والخبرات التي تصلها من خارج الحدود، فمثل هذه الحروب لا تُحسم بمجرد التفوق في الطائرات والصواريخ والمدرعات، وإنما تحتاج إلى حسابات أخرى تتعلق بما بعد المعركة، وبالشكل الذي سيبدو عليه البلد عندما تصمت المدافع.
وهنا يصبح الفرق جوهريًا بين أن تنتصر في معركة، وأن تنجح في إنهاء حرب، فالمعركة يمكن أن تُحسم بالقوة، أما الحرب فلا تنتهي بالضرورة بانتهاء العمليات العسكرية، لأن ما يبقى بعدها هو الشعب، والدولة، والاقتصاد، والحدود، والمدن، والعلاقات بين مكونات المجتمع، ولذلك فإن الحسم الذي يترك وراءه بلدًا أكثر انقسامًا ودمارًا ليس بالضرورة هو الحسم الذي تبحث عنه دولة تنظر إلى أمنها على المدى البعيد، وتدرك أن استقرار اليمن ليس قضية تخص اليمنيين وحدهم، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بأمن المملكة وأمن المنطقة كلها، ومن هذه الزاوية تحديدًا ينبغي فهم السياسة السعودية في اليمن، فالمملكة لا تنظر إلى اليمن باعتباره جبهة بعيدة يمكن التعامل معها بمنطق الحرب وحده، وإنما باعتباره جارًا وشقيقًا وامتدادًا طبيعيًا لأمنها الإقليمي، ولذلك ظل البعد السياسي والإنساني حاضرًا إلى جانب البعد العسكري، وظلت فكرة الوصول في النهاية إلى تسوية سياسية تحفظ لليمن دولته ووحدته واستقراره هي الهدف الذي يمنح المواجهة العسكرية معناها، ويحول القوة من غاية في ذاتها إلى وسيلة لحماية الأمن وفتح الطريق أمام السلام.
وهذا هو ما يجعل السؤال عن طول الحرب أكثر عمقًا من مجرد التساؤل عن القدرة على الحسم، فالقضية لم تكن يومًا، هل تستطيع المملكة أن تستخدم قوة أكبر، وإنما كيف يمكن استخدام القوة من دون أن يتحول اليمن نفسه إلى ضحية لها، وكيف يمكن مواجهة مليشيا مسلحة تهدد الدولة وأمن المنطقة، من دون أن يصبح الشعب اليمني هو من يدفع الثمن الأكبر، وكيف يمكن أن ينتهي الصراع بانتصار الدولة اليمنية واستعادة مؤسساتها، لا بمجرد إسكات السلاح لفترة ثم عودته من جديد، إنها في جوهرها معادلة صعبة بين القوة والمسؤولية، وبين الحسم العسكري والحل السياسي، وبين متطلبات الأمن وحرمة الإنسان، وهي معادلة تجعل الطريق الأقصر إلى الانتصار العسكري ليس بالضرورة هو الطريق الأقرب إلى السلام، وربما يكون هذا تحديدًا هو المفتاح الذي يمكن من خلاله فهم لماذا طال أمد الحرب في اليمن، ولماذا اختارت المملكة طريقًا أطول إلى الحسم.
وهنا تتغير قواعد اللعبة، فالجيش النظامي يستطيع أن يتقدم على الأرض، ويسيطر على المدن والمنشآت والمواقع العسكرية، غير أن طبيعة المليشيا الانقلابية، بما تحمله من دعم وتسليح خارجي، تجعلها تتعامل مع الهزيمة الميدانية بمنطق مختلف عن منطق الدول والجيوش النظامية، فهي تنسحب من موقع لتعود إليه لاحقًا حين تسنح الفرصة، وتستبدل بالمواجهة المباشرة على الجبهات أدوات أخرى تخدم مشروعها التخريبي، من إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إلى استهداف الملاحة الدولية في الممرات البحرية، بما يحوّل الصراع من معركة محدودة على الأرض إلى تهديد يتجاوز حدود اليمن ليطال أمن المنطقة والعالم، ولذلك فإن طول الحرب لا يمكن أن يُقرأ وحده باعتباره مؤشرًا على توازن القوة العسكرية بين الطرفين، لأن الحروب الحديثة لا تُحسم دائمًا بحساب عدد الطائرات والمدافع والصواريخ، وإنما تتداخل فيها الجغرافيا والسياسة والمجتمع والاقتصاد والبيئة الإقليمية والدولية.