.. لم يعد باب المندب مجرد مضيق بحري ضيق يفصل بين قارتي آسيا وأفريقيا، وإنما أصبح واحدًا من المفاتيح الجيوستراتيجية التي تتقاطع عندها خرائط الأمن والطاقة والتجارة والنفوذ في المنطقة، فالمضيق الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي ليس مجرد ممر تعبره السفن، وإنما نقطة تتحول عندها الجغرافيا إلى قوة، والموقع إلى نفوذ، وأمن الملاحة إلى قضية تتجاوز حدود الدول المطلة عليه إلى الاقتصاد العالمي كله، ولذلك فإن ما يجري اليوم على الساحل الغربي لليمن لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تطور عسكري في حرب يمنية طويلة، وإنما ينبغي النظر إليه باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل معادلة القوة في البحر الأحمر، خصوصًا بعد التقدم الميداني الكبير الذي حققته القوات الحكومية اليمنية، بدعم وإسناد من تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، في إطار عملية «فجر اليمن»، واستعادة مناطق استراتيجية في محيط باب المندب وذو باب والمخا، بما أعاد إلى الواجهة سؤالًا أكبر من حدود المعركة نفسها: من يمتلك القدرة على حماية هذا الممر الحيوي، ومن يستطيع أن يحول السيطرة العسكرية إلى منظومة أمن إقليمية مستقرة وقابلة للاستمرار؟.
.. أهمية التطورات الأخيرة أنها جاءت في نقطة شديدة الحساسية من الجغرافيا اليمنية، فاستعادة باب المندب وذو باب، ثم استعادة المخا ومينائها وقطع الطريق الرابط بين المخا والمضيق، لا تعني فقط استعادة مواقع عسكرية، وإنما تعني إعادة ترتيب خطوط الاتصال والحركة والإمداد على الساحل الغربي، وتقليص قدرة الحوثيين على تحويل هذا الجزء من الساحل إلى منصة تهديد للملاحة أو ورقة ضغط في الصراع الإقليمي، كما أن السيطرة على هذه المواقع تفتح المجال أمام القوات الحكومية لإعادة بناء عمق أمني حول المضيق، بدل تركه مكشوفًا أمام قوة مسلحة يمكنها أن تستخدم الطبيعة الجغرافية المعقدة للساحل والمرتفعات المحيطة به لممارسة الضغط على خطوط الملاحة الدولية. وقد أظهرت التطورات الميدانية أن العملية لم تكن تحركًا محدودًا على محور واحد، وإنما جاءت في إطار عملية أوسع شارك فيها الطيران التابع للتحالف، فيما أعلنت القوات الحكومية استمرار تقدمها على محاور أخرى.
لكن القيمة الحقيقية لما تحقق في باب المندب لا تتحدد بعدد المواقع التي تمت استعادتها، وإنما بما يمكن أن يبنى فوقها من معادلة جديدة، فالحروب الحديثة لا تنتهي بمجرد تغيير خطوط السيطرة، وإنما تبدأ بعد ذلك معركة أكثر تعقيدًا، هي معركة تثبيت الأمن ومنع عودة التهديد، وتحويل التفوق العسكري إلى قدرة مؤسسية وسياسية واقتصادية تحمي الأرض التي جرى استعادتها، ومن هذه الزاوية تحديدًا يكتسب الدور السعودي أهمية تتجاوز الإسناد العسكري المباشر، لأن المملكة لا تتحرك في اليمن بمعزل عن أمنها الوطني، وإنما داخل فضاء جغرافي متصل يبدأ من حدودها الجنوبية ويمتد عبر البحر الأحمر إلى باب المندب، ومنه إلى قناة السويس والمحيط الهندي، وهو فضاء أصبحت حمايته جزءًا من معادلة الأمن السعودي ومصالح المملكة الاقتصادية والاستراتيجية.
لقد تغيرت طبيعة البحر الأحمر نفسه خلال السنوات الأخيرة، فلم يعد مجرد ممر تجاري بين الشرق والغرب، وإنما أصبح مسرحًا تتقاطع فيه حسابات القوى الإقليمية والدولية، وتلتقي فيه مصالح الطاقة والتجارة والأمن البحري والنفوذ العسكري، ولذلك فإن السيطرة على نقطة واحدة فيه يمكن أن تنتج تأثيرًا يتجاوز حجمها الجغرافي بكثير، وهذه هي تحديدًا قيمة باب المندب، فالمضائق لا تُقاس بمساحتها، وإنما بما تستطيع أن تتحكم فيه من حركة، وما تستطيع أن تمنحه من قدرة على التأثير، وما يمكن أن يترتب على تهديدها من كلفة اقتصادية وسياسية وأمنية على الآخرين.
ومن هنا يمكن فهم إصرار الحوثيين على الوصول إلى الساحل الغربي والاقتراب من باب المندب، ليس باعتباره تحركًا تكتيكيًا منفصلًا عن بقية الحرب، وإنما باعتباره محاولة لامتلاك ورقة استراتيجية تتجاوز الداخل اليمني، فالجماعة التي تستطيع تهديد الملاحة في نقطة بهذه الحساسية لا تحتاج إلى امتلاك أسطول بحري ضخم حتى تفرض كلفة على الاقتصاد العالمي؛ يكفيها أن تمتلك القدرة على إطلاق صاروخ أو مسيرة أو تهديد سفينة أو إرباك حركة الملاحة حتى تتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط سياسي، وهذا هو جوهر الخطر الذي يجعل معركة باب المندب مختلفة عن معارك السيطرة التقليدية على المدن والمرتفعات.
ولذلك فإن استعادة الدولة اليمنية للمضيق ومحيطه تمثل خطوة مهمة، لكنها لا ينبغي أن تكون نهاية المسار، بل بداية لمرحلة مختلفة عنوانها تثبيت السيادة وبناء القدرة، فباب المندب يمني السيادة، وأمنه يبدأ من قدرة الدولة اليمنية على السيطرة على ساحلها وموانئها وجزرها وممراتها، وامتلاك مؤسسات عسكرية وأمنية وخفر سواحل قادرة على العمل بصورة مستمرة، لا فقط أثناء الحرب، لأن الفراغ الأمني هو الذي يسمح للجماعات المسلحة بالعودة، كما أن تفكك مؤسسات الدولة هو الذي يحول الجغرافيا الاستراتيجية إلى مساحة مفتوحة أمام القوى غير الحكومية.
وهنا تتجلى قيمة الدور السعودي في إعادة بناء قدرة الدولة اليمنية، فالمعادلة الأكثر استدامة ليست أن تحل قوة إقليمية محل الدولة الوطنية، وإنما أن تساعدها على امتلاك القدرة التي تمكنها من حماية سيادتها بنفسها، وهذه نقطة جوهرية في فهم الدور السعودي، لأن الأمن الإقليمي المستدام يقوم على بناء الدول القادرة على حماية حدودها ومصالحها وممراتها، ومن ثم فإن دعم القوات اليمنية، وتطوير قدراتها، ورفع كفاءة خفر السواحل، وتأمين الموانئ والجزر، وبناء منظومات المراقبة والاستطلاع، وتطوير القدرة على التعامل مع التهديدات البحرية والصاروخية والمسيّرات، كلها ليست تفاصيل عسكرية منفصلة، وإنما مكونات أساسية في إعادة بناء الدولة اليمنية نفسها.
وإذا كانت المعركة قد أظهرت أهمية القوة العسكرية في استعادة الأرض، فإن المرحلة المقبلة ستظهر أهمية القوة المؤسسية في حمايتها، فالقوة الجوية تستطيع أن تفتح الطريق، والقوات البرية تستطيع أن تستعيد المواقع، لكن المؤسسات وحدها تستطيع أن تجعل استعادة الأرض حقيقة سياسية وأمنية دائمة، ولهذا فإن النجاح في الساحل الغربي لن يكتمل إلا إذا تحول إلى شبكة أمنية متماسكة تربط باب المندب بذو باب والمخا والمناطق الساحلية والمرتفعات التي تشكل عمقه الجغرافي، بحيث لا يبقى المضيق نقطة منفصلة يسهل تهديدها من محيطها، وهنا أيضًا تتجاوز المسألة حدود اليمن لتصل إلى معادلة البحر الأحمر بأكملها، فالساحل اليمني لا يمكن فصله عن الضفة الأفريقية المقابلة، كما لا يمكن فصل باب المندب عن قناة السويس في الشمال أو عن خليج عدن والمحيط الهندي في الجنوب.