المملكة تاريخ عريق

الشراكة الثقافية تعزز الثقة بين الشعبين السعودي والأميركي العُلا جزء أصيل من الإرث الحضاري الإنساني رسخت المملكة الثقافة بوصفها ركيزة للتنمية، ومحركاً للاقتصاد، ومجالاً لتعزيز الهوية الوطنية والتواصل الحضاري، ضمن التحول الشامل الذي تقوده رؤية السعودية 2030. وتتكامل النهضة الثقافية مع تقدم المملكة في المجالات العلمية والتقنية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، الذي يحظى باهتمام وطني واسع تزامناً مع تسمية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي»، بما يعكس توجه المملكة نحو توظيف التقنيات المتقدمة في مختلف القطاعات وبناء اقتصاد معرفي قائم على البيانات. وترى ديبرا لير، رئيسة مجلس أمناء مركز «ميريديان» الدولي، ومؤسسة ورئيسة «تحالف الآثار»، أن التجربة السعودية قدمت نموذجاً في التعامل مع الثقافة باعتبارها استثماراً وطنياً طويل الأمد، مشيرة إلى ما حققته المملكة في تأسيس المؤسسات الثقافية، وترميم المواقع التاريخية، والاستثمار في المتاحف، ودعم الفنانين وصناع الأفلام، وتنمية الصناعات الإبداعية. وفي حوارها مع «الرياض»، تتحدث لير عن قوة الثقافة في العلاقات الدولية، والنهضة الثقافية السعودية، والمكانة الحضارية للعُلا، وآفاق الشراكة الثقافية السعودية - الأميركية، إلى جانب حماية الآثار، ودور الذكاء الاصطناعي والتوثيق الرقمي في صون التراث وإتاحته للأجيال المقبلة. روابط تتجاوز السياسة ما الذي تحققه الدبلوماسية الثقافية في العلاقات الدولية مما قد تعجز عنه المعاهدات والصفقات السياسية؟ تتفاوض الحكومات على الاتفاقيات، غير أن البشر هم من يرسخون العلاقات الدائمة، فالمعاهدات وصفقات التجارة قد توفر الأطر اللازمة للتعاون، إلا أنها نادراً ما تفضي إلى بناء الثقة التي تجعل تلك العلاقات تصمد عبر الزمن، وهنا تكمن قوة الثقافة. فالكتّاب والفنانون والموسيقيون وصناع الأفلام وحماة التراث يصبحون سفراء لبلدانهم، يفتحون آفاقاً للتفاهم تتجاوز حدود السياسة. ومن خلال التعليم والفنون والرياضة والتراث، تمنح الدبلوماسية الثقافية الشعوب فرصة لرؤية ما يجمعها أكثر مما يفرقها، وتذكرنا بأن المجتمعات، مهما اختلفت حكوماتها، تتشارك تطلعات إنسانية واحدة؛ تعليم أبنائها، وصون تاريخها، وخلق الفرص، وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. وفي عالم يشهد قدراً متزايداً من الاستقطاب، تصبح هذه الروابط الإنسانية أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ لأنها كثيراً ما تبقى راسخة حتى عندما تمر العلاقات الرسمية بين الدول بفترات من التوتر، فتشكل أساساً للحوار حين تدعو الحاجة إليه. قوة استراتيجية كثيراً ما توصف الثقافة بأنها إحدى أدوات «القوة الناعمة».. هل ما زال هذا الوصف يعكس مكانتها الحقيقية؟ لم أكن يوماً مقتنعة بوصف الثقافة بأنها «قوة ناعمة». فلا شيء «ناعماً» في قدرة الثقافة على إلهام ملايين البشر، وصناعة الفرص، وتشكيل صورة الدول، وبناء الجسور بين الشعوب. الثقافة، في رأيي، من أكثر الأصول الاستراتيجية التي لم تحظَ بعد بما تستحقه من تقدير، فهي تؤثر في الطريقة التي ينظر بها العالم إلى الدول، وتجذب المواهب والاستثمارات والطلاب والزوار، وتسهم في نمو الصناعات الإبداعية، وتعزز الهوية الوطنية، وتبني الثقة التي تقوم عليها العلاقات الدولية طويلة الأمد. ولعل أهم ما يميزها أنها تنجح أحياناً فيما تعجز عنه السياسة؛ إذ تخلق روابط تستمر رغم تغير الحكومات وتعاقب الدورات السياسية. وفي القرن الحادي والعشرين، لم تعد الثقافة مجرد عنصر داعم للسياسة الخارجية، بل أصبحت ركيزة استراتيجية مستقلة، تساعد الدول على تعزيز حضورها، وتوسيع شراكاتها، وترسيخ مكانتها في عالم يزداد ترابطاً. التحول الثقافي السعودي تابعتِ مسيرة الاستثمار الثقافي في المملكة.. ما الذي لفت انتباهك في هذه التجربة؟ ما يلفت الانتباه في التجربة السعودية ليس حجم الاستثمار في الثقافة فحسب، بل المكانة الاستراتيجية التي أصبحت تحتلها ضمن رؤية السعودية 2030. ففي كثير من دول العالم يُنظر إلى الثقافة باعتبارها قطاعاً منفصلاً عن التنمية الاقتصادية، بينما تبنت المملكة رؤية مختلفة؛ إذ اعتبرتها ركيزة تسهم في تنويع الاقتصاد، وتعزيز السياحة، وتطوير التعليم، وترسيخ الهوية الوطنية، وتعميق حضورها على الساحة الدولية. كما أن سرعة الإنجاز كانت لافتة للنظر. ففي فترة زمنية قصيرة، شهدت المملكة تأسيس مؤسسات ثقافية جديدة، وترميم مواقع تاريخية، والاستثمار في المتاحف، ودعم الفنانين وصناع الأفلام، إلى جانب توفير فرص حقيقية لجيل جديد من رواد الأعمال في القطاع الثقافي. وهذا التحول لا يقتصر على صون التراث، بل يتجاوز ذلك إلى بناء اقتصاد للصناعات الإبداعية، وإتاحة الفرصة للمملكة كي تروي قصتها للعالم بصوتها هي. فالدول التي تدرك أن الثقافة استثمار استراتيجي، وليست مجرد نشاط ثقافي، ستكون أكثر قدرة على بناء النفوذ، وتعزيز الشراكات، والمنافسة في العقود المقبلة. العُلا والإرث الإنساني لماذا تمثل العُلا أهمية إنسانية وحضارية تتجاوز حدود المملكة؟ تُعد العُلا واحدة من أكثر الأماكن إبهاراً التي زرتها خلال رحلاتي حول العالم، ليس فقط لجمالها الاستثنائي، وإنما لأنها تعيد التذكير بأن تاريخ الحضارات لم يكن يوماً منفصلاً، بل كان دائماً تاريخاً للتواصل والتفاعل بين الشعوب. فعلى مدى آلاف السنين، شكلت شبه الجزيرة العربية نقطة التقاء بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، عبر طرق التجارة والهجرات وتبادل الأفكار، واحتضنت ممالك مزدهرة، ومراكز حضرية متقدمة، وشبكات تجارية لعبت دوراً محورياً في تطور الحضارة الإنسانية. واليوم، تسهم الاكتشافات الأثرية في دادان ولحيان والحِجر وغيرها من مواقع العُلا في إعادة رسم فهمنا للدور الذي لعبته الجزيرة العربية في العالم القديم. إن هذه المواقع لا تكشف لنا آثاراً تاريخية فحسب، بل تقدم أدلة حية على قدرة الإنسان على التكيف مع البيئات الصعبة، وبناء المجتمعات، وإقامة روابط حضارية عبر الثقافات المختلفة. ولهذا، فإن العُلا ليست مجرد موقع تراث وطني، بل تمثل جزءاً أصيلاً من الإرث الحضاري الإنساني. كما أرى أنها تقدم نموذجاً عالمياً لمستقبل حماية التراث؛ فعندما يقترن الحفاظ على المواقع التاريخية بالبحث العلمي، والتعليم، والسياحة المستدامة، وإشراك المجتمع المحلي، يتحول التراث إلى مورد حي يسهم في تعزيز المعرفة، ويوفّر في الوقت نفسه فرصاً اقتصادية وتنموية للمجتمعات المحيطة، فضلاً عن تعريف العالم بتاريخ المملكة الغني. ثقافة حية كيف تقرئين جهود المملكة في تقديم ثقافتها للعالم عبر السينما والطهي والتراث والأزياء والموسيقى والفنون؟ من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في التحول الثقافي الذي تشهده المملكة أنها لم تعد تنظر إلى الثقافة باعتبارها تعبيراً عن الهوية الوطنية فحسب، بل باعتبارها أيضاً محركاً للنمو الاقتصادي، ومنصة للتواصل الدولي، وأحد الأصول الاستراتيجية للدولة. ويتابع العالم باهتمام ما تشهده المملكة من تحولات، بما يبرز تاريخها العريق، ويدعم في الوقت نفسه بناء قطاعات اقتصادية وثقافية جديدة. وهناك فرق جوهري بين الترويج للدول وبين مشاركة ثقافتها مع العالم. فالترويج يركز غالباً على الرسائل الإعلامية والصورة الذهنية، أما التبادل الثقافي الحقيقي فيقوم على الحوار، ويفتح المجال أمام التعارف والتعاون والتعلم المتبادل بين الشعوب. ولهذا، فإن استثمارات المملكة في التراث والسينما والتصميم والموسيقى والأزياء وفنون الطهي وسائر الصناعات الإبداعية تعكس فهماً عميقاً لحقيقة أن الثقافة تبلغ أقصى تأثيرها عندما تكون أصيلة ومتجددة وقادرة على التطور. فالدول الأكثر تأثيراً ليست تلك التي تكتفي بسرد قصتها، بل التي تتيح للآخرين فرصة معايشتها. الضيافة السعودية أي مكونات الثقافة السعودية ترين أنه كان الأبلغ تأثيراً على الصعيد الدولي؟ بدلاً من اختيار عنصر واحد، أرى أن الضيافة هي الخيط الذي يجمع كل هذه المكونات الثقافية. فكل من زار المملكة لمس عن قرب الكرم وحسن الاستقبال اللذين يشكلان جزءاً أصيلاً من الثقافة السعودية. ومن خلال القهوة السعودية، والمجالس، والوجبات المشتركة، وحفاوة استقبال الضيوف، يتعرف الزائر على المجتمع السعودي بصورة طبيعية وصادقة. وفي الوقت ذاته، يسعدني كثيراً ما تشهده السينما السعودية وقطاع الأزياء والصناعات الإبداعية من تطور متسارع؛ لأنها تمنح السعوديين الفرصة لرواية قصصهم بأنفسهم، وتعكس في الوقت ذاته أصالة المجتمع وحيوية التحولات التي يشهدها. وفي نهاية المطاف، يبقى تأثير الثقافة أكبر عندما تُعاش، لا عندما تُشرح. فالضيافة تتيح هذه التجربة الإنسانية المباشرة، بينما تنقلها السينما والفنون والموسيقى والتصميم إلى جمهور أوسع حول العالم. شراكات ثقافية مستدامة ما الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الدولية في تعزيز الشراكات الثقافية مع المملكة؟ أرى أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز على بناء شراكات مؤسسية طويلة الأمد؛ لأن التأثير الثقافي لا يتحقق عبر الفعاليات العابرة، وإنما من خلال التعاون المستدام بين المتاحف والجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الثقافية والفنانين ورواد الأعمال والقادة الشباب. وقد قطعت المملكة شوطاً كبيراً في تطوير بنيتها الثقافية، ويمكن البناء على هذه المنجزات من خلال توسيع نطاق التعاون الدولي في مجالات البحث العلمي، والتبادل الأكاديمي، والبعثات الأثرية، والتعاون بين المتاحف، والصناعات الإبداعية. ويمكن لمؤسسات مثل «ميريديان» أن توفر منصات موثوقة لبناء هذه العلاقات من خلال الدبلوماسية بين الشعوب، فضلاً عن الإسهام في التعريف بالقصة الثقافية للمملكة. أما «تحالف الآثار»، فيضطلع بدور مهم في تعزيز التعاون الدولي لحماية التراث الثقافي، ومكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار، وتطوير الأطر القانونية والسياسات الكفيلة بصون التراث الإنساني، إلى جانب جمع الخبراء وصناع القرار حول العالم لمناقشة مستقبل حماية التراث. وفي نهاية المطاف، تؤكد هذه الجهود أن الدبلوماسية الثقافية لا تقتصر على استحضار الماضي، بل تهدف إلى بناء شراكات مستدامة للمستقبل. العلاقات السعودية - الأميركية كيف تتصورين الشراكة الثقافية السعودية - الأميركية خلال السنوات الخمس المقبلة؟ العلاقات المتينة لا تُبنى فقط عبر الحكومات، وإنما أيضاً من خلال الروابط التي تجمع بين الشعوب. وهذا ما نطلق عليه في مركز «ميريديان» مفهوم «الدبلوماسية المنفتحة»، التي تقوم على تعزيز التواصل الإنساني باعتباره أساساً للتفاهم المستدام. وخلال السنوات الخمس المقبلة، أتطلع إلى رؤية شبكة أوسع من الشراكات المؤسسية التي تجمع المتاحف والجامعات والبعثات الأثرية والمكتبات والمؤسسات الثقافية والصناعات الإبداعية في البلدين. كما أتطلع إلى توسيع برامج التبادل التي تشمل الفنانين والطلاب ورواد الأعمال والمتخصصين في المتاحف والقادة الشباب، إلى جانب إطلاق مشروعات مشتركة في مجالات البحث العلمي، والمعارض، وحفظ التراث، والبرامج التعليمية. وتستطيع مؤسسات مثل «ميريديان» و«تحالف الآثار» أن تضطلع بدور محوري في جمع القيادات من قطاعات الثقافة والأعمال والحكومة والمجتمع المدني؛ لأن الشراكات المستدامة لا تُبنى عبر الفعاليات المؤقتة، وإنما من خلال التواصل المستمر. كما يمكن التفكير في إطلاق مسار حوار ثقافي يعزز التعاون بين البلدين على مستوى المؤسسات والخبراء، ويرسخ التفاهم والثقة بين الشعبين. ذاكرة الحضارات ما الذي نفقده فعلياً عندما تُنهب قطعة أثرية أو تختفي من موقعها؟ عندما تُنهب قطعة أثرية، فإن ما نفقده يتجاوز بكثير قيمة تلك القطعة نفسها. فأول ما نخسره هو المعرفة. إذ إن القيمة الحقيقية لأي أثر لا تكمن في القطعة وحدها، بل في سياقها الأثري؛ أي موقع اكتشافها، وما يحيط بها من شواهد، وعلاقتها باللقى الأخرى. وعندما يُنتزع الأثر من هذا السياق، تضيع معلومات لا يمكن استعادتها أبداً، ونفقد معها القدرة على فهم كيفية عيش المجتمعات القديمة، وتنظيمها، وعبادتها، وتبادلها التجاري، وتفاعلها مع غيرها من الحضارات. كما يؤدي التراث دوراً محورياً في تشكيل الهوية الوطنية. فالمجتمعات تستمد جانباً من قوتها من فهم تاريخها، وصون منجزات الأجيال التي سبقتها، والحفاظ على الرموز التي تشكل ذاكرتها الجماعية. وهذا الإرث لا يقتصر أثره على الجانب الثقافي، بل يسهم أيضاً في التعليم والبحث العلمي والسياحة الثقافية وتعزيز الثقة الوطنية. والتراث الثقافي يذكرنا بأن الحضارات كانت دائماً مترابطة عبر التجارة والهجرة وتبادل الأفكار والابتكار، فكل قطعة أثرية تحمل قصة عن هذا الترابط الإنساني. ولهذا، فإن حماية التراث تعني صون الأدلة التي ستساعد الأجيال المقبلة على فهم تاريخ الإنسانية. رواية التاريخ السعودي كيف يمكن للمؤسسات الأميركية الإسهام في إبراز التاريخ الحضاري للمملكة أمام العالم؟ من أكثر ما يبعث على الحماس في المملكة اليوم أن كثيراً من فصول تاريخها ما زال يُكتشف حتى الآن. فعلى خلاف حضارات أخرى دُرست على مدى قرون، يواصل علماء الآثار في المملكة الكشف عن صفحات جديدة من تاريخ الإنسانية، وتسهم الاكتشافات المرتبطة بحضارات مثل دادان وغيرها من الممالك العربية القديمة في إعادة تشكيل فهمنا للدور الذي لعبته شبه الجزيرة العربية في التجارة والابتكار وتطور الحضارة الإنسانية. ويمكن للمؤسسات الأميركية أن تؤدي دوراً مهماً، ليس بوصفها من يروي قصة المملكة، بل كشريك يسهم في إبرازها أمام العالم. فعلى سبيل المثال، بصفتي عضواً في مجلس إدارة «ناشيونال جيوغرافيك»، شاركنا بالتعاون مع الهيئة الملكية لمحافظة العلا، وسفارة المملكة العربية السعودية في واشنطن، وعدد من الباحثين، في عرض فيلم وتنظيم ندوة حول حضارة دادان؛ بهدف تعريف الجمهور الأميركي بهذا الإرث الحضاري المهم. ومن خلال التعاون في مجالات الآثار، وعلوم الترميم، والمتاحف، والتعليم، والتقنيات الحديثة، تستطيع المؤسسات الأميركية الإسهام في توثيق هذا الإرث وصونه وإتاحته للعالم، مع بقاء الباحثين والمؤسسات السعودية في صدارة عملية تفسير تاريخهم ورواية قصتهم. فالهدف لا يقتصر على الحفاظ على التاريخ، بل على توسيع فهم العالم للدور الحضاري الذي اضطلعت به المملكة عبر العصور. الذكاء الاصطناعي والتراث تزامناً مع تسمية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي»، كيف تنظرين إلى دور هذه التقنيات في حماية التراث وإتاحته؟ لطالما لعبت التكنولوجيا دوراً في تغيير الطريقة التي نفهم بها تراثنا الثقافي ونتفاعل معه، والذكاء الاصطناعي ليس استثناءً من ذلك. وكما هو الحال مع كل تحول تقني كبير، فإنه يحمل في طياته فرصاً استثنائية إلى جانب تحديات حقيقية. ويبقى التحدي الأهم هو توظيف هذه التقنيات لخدمة البحث العلمي، والتعليم، وحماية التراث. وقد لمست بنفسي الإمكانات الكبيرة لهذه التقنيات. فعند إطلاق مشروع «Google Arts & Culture» لإعادة إحياء جدة التاريخية رقمياً، أصبح بإمكان ملايين الأشخاص حول العالم زيارة أحد أهم المواقع التاريخية في المملكة افتراضياً، دون الحاجة إلى السفر. كما يسهم الذكاء الاصطناعي اليوم في مساعدة الباحثين على فك رموز النصوص القديمة، وإعادة بناء المخطوطات التالفة، واكتشاف مواقع أثرية جديدة، وتحليل كميات هائلة من البيانات التاريخية التي كان من الصعب التعامل معها بالوسائل التقليدية. ولا شك أن هذه التقنيات توسع آفاق فهمنا للماضي بصورة غير مسبوقة. وفي النهاية، لا أعتقد أن التكنولوجيا هي البطل أو الخصم؛ فهي في جوهرها تعكس الطريقة التي نختار استخدامها بها. فالذكاء الاصطناعي لن يحل محل التجربة الإنسانية المتمثلة في الوقوف أمام موقع أثري أو قطعة تاريخية، لكنه قادر على إلهام ملايين الأشخاص لاكتشاف التراث الإنساني، وتقديره، والمساهمة في حمايته. والغاية في نهاية المطاف هي أن تساعدنا التكنولوجيا على تعميق فهمنا للحضارات، لا أن تنتقص من خصوصية كل منها. مجتمع معرفي مترابط ما أهمية المشروعات السعودية للتوثيق الرقمي في تعزيز التعاون الثقافي والعلمي؟ يمثل التوثيق الرقمي أحد أهم أدوات حماية التراث في عصرنا؛ لأن الخطوة الأولى في الحفاظ على أي إرث ثقافي تبدأ بمعرفته وتوثيقه. لكن أهمية التوثيق الرقمي لا تقتصر على الحماية فحسب، بل تمتد إلى توسيع نطاق الوصول إلى المعرفة. إذ أصبح بإمكان الباحثين والجامعات والمتاحف والطلاب حول العالم دراسة المجموعات الأثرية، ومقارنة نتائج الأبحاث، والعمل معاً بطرق لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة.كما تتيح هذه المنصات لملايين الأشخاص فرصة التعرف إلى مواقع ومقتنيات قد لا تتاح لهم زيارتها على أرض الواقع.وأنا أنظر إلى هذه المبادرات باعتبارها أساساً للتعاون العلمي والثقافي أكثر من كونها أداة دبلوماسية بالمعنى التقليدي. فالتراث الرقمي لا ينبغي أن يقتصر على إنشاء قواعد بيانات أكبر، بل يجب أن يسهم في بناء مجتمع معرفي عالمي أكثر ترابطاً، يربط بين الباحثين والمؤسسات والأجيال الجديدة، ويعزز تبادل المعرفة والخبرات. وأعتقد أن أهمية هذه الشراكات ستتزايد مستقبلاً؛ لأنها تخلق مساحات جديدة للتعاون بين المؤسسات والأفراد في سبيل حماية التراث الإنساني المشترك. تجربة تقدم درساً للعالم ما أبرز الدروس التي تقدمها تجربة التحول الثقافي السعودي للدول الأخرى؟ لعل أهم درس تقدمه التجربة السعودية هو أن الثقافة أصبحت استثماراً وطنياً طويل الأمد. فكما تستثمر الدول في البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا والدفاع، ينبغي لها أيضاً أن تستثمر في الثقافة؛ لأنها تعزز الهوية الوطنية، وتحفز النمو الاقتصادي، وتجذب السياحة والاستثمار، وتقوي الشراكات الدولية، وتمنح الأجيال القادمة فهماً أعمق لجذورها.والدرس الثاني هو أن الثقافة والتنمية الاقتصادية ليستا مسارين متوازيين، بل عنصران متكاملان يدعم كل منهما الآخر. فالتراث والمتاحف والسينما والتصميم والموسيقى وفنون الطهي وسائر الصناعات الإبداعية لا تسهم فقط في تعزيز الهوية الوطنية، وإنما أيضاً في الابتكار، وخلق الوظائف، وتنويع الاقتصاد، وترسيخ الحضور الدولي للدول. وأؤمن بأن لكل دولة قصة تستحق أن تُروى. وقد أثبتت المملكة، من خلال نهضتها الثقافية، أهمية أن تروي هذه القصة بثقة وأصالة وانفتاح على التعاون مع الآخرين. فأنجح نماذج الدبلوماسية الثقافية لا تقوم على الترويج للدول، وإنما على دعوة العالم إلى فهمها والتفاعل معها. ولسنوات طويلة، كان يُنظر إلى الثقافة من زاوية تكلفتها المالية، بينما أعتقد أننا أصبحنا اليوم بحاجة إلى قياسها بما تصنعه من أثر: مجتمعات أكثر تماسكاً، وتفاهم أعمق بين الشعوب، وفرص اقتصادية جديدة، وشراكات دولية أكثر رسوخاً. فالدول التي تدرك أن الثقافة استثمار استراتيجي طويل الأمد، لا مجرد نشاط ثقافي، ستكون الأقدر على الريادة في عالم المستقبل.