بسام الجيالباحث في تاريخ المملكة العربية السعودية والدراسات الاستشراقيةلقاء كوينسي... بداية المبدأعندما تُذكر العلاقات السعودية الأمريكية، يتجه الذهن مباشرة إلى اللقاء التاريخي الذي جمع الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود بالرئيس الأمريكي فرانكلين ديلانو روزفلت على متن الطراد الأمريكي يو إس إس كوينسي في الرابع عشر من فبراير عام 1945. وقد ارتبط هذا اللقاء، في معظم الدراسات التاريخية، ببداية العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، حتى أصبح يُنظر إليه بوصفه نقطة الانطلاق للتحالف السعودي الأمريكي الذي استمر لعقود طويلة. غير أن اختزال ذلك اللقاء في كونه بداية لعلاقة سياسية أو أمنية يحجب جانبًا آخر لا يقل أهمية، وربما كان أكثر بقاءً وتأثيرًا. ففي ذلك اليوم لم يُرسم فقط مستقبل العلاقة بين الرياض وواشنطن، بل ظهر أيضًا، للمرة الأولى، المبدأ الذي سيحكم الموقف السعودي من القضية الفلسطينية طوال العقود الثمانية اللاحقة. ومن اللافت أن هذا المبدأ لم يتشكل بعد قيام دولة إسرائيل، ولا بعد الحروب العربية الإسرائيلية، ولا في ظل مبادرات السلام المتعاقبة، بل سبق كل ذلك بثلاث سنوات كاملة، عندما كانت القضية الفلسطينية لا تزال تُناقش بوصفها نتيجة مباشرة للمأساة التي عاشها اليهود الأوروبيون خلال الحرب العالمية الثانية.ولعل أهم ما يميز هذه الواقعة أن توثيقها لا يعتمد على الرواية السعودية وحدها، ولا على قراءات المؤرخين اللاحقة، بل يبدأ بشهادة رجل كان حاضرًا في الاجتماع نفسه. فقد كان الدبلوماسي الأمريكي وليام ألفريد إيدي (William A. Eddy)، الذي عمل مترجمًا خلال اللقاء، من القلائل الذين استمعوا مباشرة إلى الحوار بين الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت، ثم دوّن تفاصيله لاحقًا في مذكراته، كما ظهرت خلاصته في الوثائق الرسمية لوزارة الخارجية الأمريكية ضمن سلسلة «العلاقات الخارجية للولايات المتحدة» (Foreign Relations of the United States – FRUS)، وهي المرجع الرسمي الذي تنشره الحكومة الأمريكية لتوثيق سياستها الخارجية. ولهذا تكتسب شهادة إيدي قيمة استثنائية، لأنها لا تنقل رواية متأخرة عن الحدث، وإنما تسجل ما دار في اللقاء من خلال شاهد مباشر شارك فيه بنفسه.وتبين الوثائق الأمريكية أن الرئيس روزفلت تحدث مع الملك عبدالعزيز عن المأساة التي تعرض لها اليهود الأوروبيون على يد النظام النازي، وأوضح أن المجتمع الدولي أصبح يواجه مسؤولية أخلاقية في إيجاد حل لمشكلتهم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكان السؤال الذي طرحه الرئيس الأمريكي بسيطًا في ظاهره، لكنه حمل في داخله واحدة من أعقد القضايا السياسية في القرن العشرين: أين يمكن أن يجد اليهود وطنًا جديدًا بعد كل ما تعرضوا له في أوروبا؟غير أن جواب الملك عبدالعزيز اتخذ مسارًا مختلفًا تمامًا عن التفكير الذي كان يسود في العواصم الغربية آنذاك. فهو لم ينكر حجم المأساة، ولم يقلل من فظاعة الجرائم التي ارتكبها النظام النازي، لكنه رفض بصورة قاطعة المنطق الذي ينقل نتائج تلك الجريمة إلى فلسطين. ويورد وليام إيدي أن الملك أوضح للرئيس روزفلت أن العدالة تقتضي أن يتحمل مرتكب الجريمة مسؤوليتها، لا أن يتحملها شعب لم يكن طرفًا فيها. ثم جاءت عبارته التي أصبحت من أشهر ما نُقل عن لقاء كوينسي: "دعوا العدو والظالم يدفع الثمن. ماذا فعل عرب فلسطين ليهود أوروبا؟ إن الألمان هم الذين أخذوا بيوتهم وحياتهم، ولذلك يجب أن يكون الألمان هم من يدفع الثمن." أما الوثيقة الرسمية الأمريكية، فقد سجلت المعنى نفسه بصياغة دبلوماسية، إذ جاء فيها أن الملك رأى أن اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد ينبغي أن يحصلوا على تعويض في البلدان التي اضطهدتهم، لا في فلسطين التي لم يكن شعبها مسؤولًا عما وقع في أوروبا.ديفيد هوارث.. المؤرخ الذي أكد الروايةولم تبق هذه الرواية حبيسة شهادة وليام إيدي أو الوثائق الرسمية الأمريكية، بل جاءت بعد أقل من عشرين عامًا شهادة تاريخية مستقلة أكدت المضمون نفسه. ففي عام 1964 نشر المؤرخ والكاتب البريطاني ديفيد هوارث (David Howarth) كتابه الشهير ملك الصحراء: سيرة ابن سعود، والذي يُعد من أوائل السير الغربية العلمية التي تناولت حياة الملك عبدالعزيز بعد وفاته. واعتمد مؤلفه على وثائق بريطانية وشهادات مباشرة ومراسلات دبلوماسية كانت لا تزال قريبة من زمن الأحداث، أي قبل أن تتحول القضية الفلسطينية إلى محور دائم للصراع السياسي والإعلامي، وقبل أن تتأثر الكتابة التاريخية بكثير من القراءات الأيديولوجية اللاحقة.ويخصص هوارث الفصل الثامن عشر من كتابه، المعنون «روزفلت وتشرشل» (Roosevelt and Churchill)، للحديث عن لقاء كوينسي، ويعرض في الصفحتين (206–207) من الطبعة الإنجليزية الأصلية الحوار الذي دار بين الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت حول مستقبل اليهود الأوروبيين بعد الحرب العالمية الثانية. واللافت أن روايته تتفق، في جوهرها، مع ما دوّنه وليام إيدي وما أثبتته الوثائق الأمريكية الرسمية، على الرغم من أنها كُتبت بعد نحو عقدين من اللقاء، واعتمدت على منهج المؤرخ، لا على شهادة المشارك المباشر. ويذكر هوارث أن الرئيس الأمريكي حاول إقناع الملك عبدالعزيز بالنظر إلى المأساة التي عاشها اليهود الأوروبيون، إلا أن الملك أعاد القضية إلى أساسها الأخلاقي، مؤكدًا أن من ارتكب الجريمة هو الذي ينبغي أن يتحمل نتائجها، وأن فلسطين لم تكن مسؤولة عن الجرائم التي وقعت في أوروبا.ثم ينقل هوارث العبارة التي أصبحت من أشهر ما كُتب عن تلك الواقعة، عندما يقول:"Ibn Saud refused to give an inch; but on the other hand, he did not ask for anything from the President except his friendship."(David Howarth, The Desert King: A Life of Ibn Saud, Collins, London, 1964, pp. 206–207)."رفض الملك عبدالعزيز أن يتنازل عن شبر واحد من موقفه، لكنه في المقابل لم يطلب من الرئيس شيئًا سوى صداقته".وربما لا توجد عبارة تختصر فلسفة الملك عبد العزيز السياسية أكثر من هذه العبارة. فلم يدخل اللقاء بمنطق المواجهة، بل أدرك أن العالم الخارج من الحرب العالمية الثانية يتجه نحو نظام دولي جديد تتصدره الولايات المتحدة، وأن المملكة بحاجة إلى بناء علاقة استراتيجية مستقرة معها. لكنه، في الوقت نفسه، رسم منذ اللحظة الأولى حدًا واضحًا بين الصداقة والتنازل، وبين التعاون السياسي والتفريط بالمبادئ. فقد كان مستعدًا لبناء شراكة طويلة الأمد مع واشنطن، لكنه لم يكن مستعدًا لأن يكون ثمنها تحميل الشعب الفلسطيني مسؤولية جريمة ارتكبتها أوروبا بحق اليهود.روبرت لاسي... قراءة جديدة للموقف نفسهولم يكن ديفيد هوارث آخر من توقف عند ذلك الحوار، بل جاءت بعده بسنوات طويلة شهادة غربية أخرى تؤكد المعنى نفسه، ولكن من زاوية مختلفة. ففي عام 2009 نشر المؤرخ والصحفي البريطاني روبرت لاسي (Robert Lacey) كتابه «داخل المملكة: الملوك، ورجال الدين، والإصلاحيون، والإرهابيون، والصراع من أجل المملكة العربية السعودية»، وهو من أكثر الكتب الغربية انتشارًا عن المملكة العربية السعودية في العقود الأخيرة. ورغم أن كتاب لاسي لا يقتصر على دراسة عهد الملك عبدالعزيز، وإنما يتناول تطور الدولة السعودية الحديثة حتى السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، فإنه يعود إلى لقاء كوينسي باعتباره اللحظة التي تشكلت فيها أسس العلاقة الخاصة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، ويرى أن القضية الفلسطينية كانت منذ ذلك اليوم أحد أهم الاختبارات التي واجهت هذه العلاقة.ومن اللافت أن روبرت لاسي، الذي كتب بعد أكثر من ستين عامًا على لقاء كوينسي، يصل إلى النتيجة نفسها التي سجلها وليام إيدي وأكدها ديفيد هوارث. فهو يروي أن الرئيس روزفلت حاول إقناع الملك عبدالعزيز بضرورة إيجاد وطن لليهود الأوروبيين في فلسطين، غير أن الملك أعاد النقاش إلى سؤال العدالة: من الذي ارتكب الجريمة؟ ومن الذي ينبغي أن يتحمل نتائجها؟ وينقل لاسي عن الملك قوله إن اليهود الذين فقدوا بيوتهم في أوروبا ينبغي أن يحصلوا على أفضل بيوت الألمان الذين اضطهدوهم، لأنهم هم من ارتكبوا الجريمة، ثم يورد عبارته الشهيرة: «دعوا العدو والظالم يدفع الثمن؛ فهكذا نخوض نحن العرب الحروب».وقد تبدو هذه العبارة، عند قراءتها منفردة، مجرد تعبير بلاغي عن موقف سياسي، لكنها تكتسب معنى مختلفًا عندما توضع إلى جانب شهادة وليام إيدي والوثيقة الأمريكية الرسمية ورواية ديفيد هوارث. فهنا لا نكون أمام رواية واحدة انتقلت من كتاب إلى آخر، وإنما أمام ثلاث شهادات مستقلة، كتبها أشخاص ينتمون إلى أجيال مختلفة ومدارس مختلفة في الكتابة التاريخية. وليام إيدي كان شاهدًا مباشرًا داخل غرفة الاجتماع، والوثائق الأمريكية الرسمية سجلت مضمون الحوار في حينه، وديفيد هوارث أعاد بناء اللقاء اعتمادًا على الوثائق والشهادات المبكرة، ثم جاء روبرت لاسي بعد أكثر من أربعة عقود ليصل إلى الجوهر نفسه. ومثل هذا التقاطع بين مصادر مستقلة هو ما يمنح الرواية قيمتها التاريخية، لأن المؤرخ لا يبحث عادة عن مصدر واحد يؤيد فكرته، بل عن تعدد المصادر التي تؤكد الحدث من زوايا مختلفة.من الوثائق إلى الثابت السياسيومن هنا تتجاوز أهمية لقاء كوينسي حدود كونه حدثًا دبلوماسيًا وقع في نهاية الحرب العالمية الثانية، ليصبح لحظة كاشفة لفلسفة سياسية استمرت في السياسة السعودية حتى اليوم. فالملك عبدالعزيز لم يرفض بناء علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، ولم يكن معاديًا للغرب، ولم ينكر المأساة التي عاشها اليهود الأوروبيون، لكنه في الوقت نفسه رفض أن تُبنى العدالة على ظلم جديد، أو أن يتحمل الفلسطينيون نتائج جريمة ارتكبتها أوروبا. لقد ميز منذ البداية بين التعاطف الإنساني مع الضحية ونقل المسؤولية إلى طرف لم يكن له أي دور فيما حدث. وربما كان هذا التمييز هو أكثر ما يفسر استمرار الموقف السعودي عبر العقود، لأنه لم يكن قائمًا على ظرف سياسي مؤقت، وإنما على مبدأ أخلاقي اعتبره الملك المؤسس جزءًا من مفهوم العدالة نفسه.تكشف هذه الشهادات مجتمعة حقيقة كثيرًا ما غابت عن قراءة تطور الموقف السعودي من القضية الفلسطينية. فغالبًا ما تُفسَّر مواقف المملكة في ضوء المتغيرات السياسية لكل مرحلة؛ مرة من خلال الحرب الباردة، ومرة من خلال الصراع العربي الإسرائيلي، ومرة في ضوء التحولات الإقليمية بعد عام 1979، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأخيرًا التغيرات التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم. غير أن العودة إلى لقاء كوينسي تكشف أن هناك مبدأً ظل حاضرًا رغم تغير كل هذه الظروف، وهو أن السلام لا يمكن أن يقوم على إنكار حقوق الفلسطينيين، كما أن التعاطف مع مأساة اليهود الأوروبيين لا يبرر تحميل شعب آخر نتائج تلك المأساة.ثبات المبدأ عبر ثمانية عقودولهذا يصعب النظر إلى المبادرات السعودية اللاحقة باعتبارها مواقف منفصلة عن هذا الأصل التاريخي. فعندما طرح الملك فهد مبادرته للسلام عام 1981، ثم أطلقت المملكة مبادرة السلام العربية في عهد الملك عبدالله عام 2002، لم تكن تقدم رؤية جديدة بقدر ما كانت تؤكد المبدأ نفسه: تحقيق السلام على أساس العدالة وقيام الدولة الفلسطينية. واليوم، عندما يؤكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ويشدد سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على أن السلام الدائم لا يتحقق إلا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، يبدو هذا الموقف امتدادًا للمسار الذي بدأ مع لقاء كوينسي، لا تحولًا في السياسة السعودية.وهذا ما يجعل لقاء كوينسي حدثًا استثنائيًا في التاريخ السياسي الحديث. فهو لم يكن فقط بداية لتحالف استراتيجي استمر ثمانين عامًا، بل كان أيضًا بداية لثابت سياسي ظل حاضرًا في جميع المراحل اللاحقة. لقد تغير العالم، وسقطت إمبراطوريات، وانتهت الحرب الباردة، وتبدلت التحالفات، وتعاقب على الحكم في المملكة ملوك لكل منهم أسلوبه وأدواته في إدارة السياسة الخارجية، لكن المبدأ الذي عبّر عنه الملك عبدالعزيز بقي حاضرًا: يمكن بناء أفضل العلاقات مع الولايات المتحدة، ويمكن تطوير التعاون السياسي والاقتصادي والأمني معها، لكن ذلك لا يقتضي التخلي عن الحق الفلسطيني، ولا يعني قبول معالجة ظلم تاريخي بظلم تاريخي آخر.ومن هنا، فإن لقاء كوينسي لا يُقرأ اليوم بوصفه بداية العلاقة السعودية الأمريكية فحسب، بل بوصفه لحظة تأسيس لأحد أكثر المبادئ رسوخًا في السياسة السعودية الحديثة. فقد تغير العالم، وتبدلت موازين القوى، وتطورت لغة السياسة، لكن المبدأ بقي ثابتًا: السلام هدف مشروع، والصداقة مع العالم خيار استراتيجي، غير أن العدالة لا تتحقق إذا دُفع شعب بريء ثمن جريمة ارتكبها غيره. وهذه هي الرسالة التي حفظتها الوثائق الأمريكية، وأكدتها كتابات وليام إيدي، وديفيد هوارث، وروبرت لاسي، لتبقى بعد ثمانين عامًا واحدة من أوضح ثوابت السياسة السعودية تجاه القضية الفلسطينية.