الملك عبدالعزيز.. عفو واحتواء صفحات من تاريخ «حزب الأحرار الحجازيين» البداية والنهاية – د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر

في سنة 1344هـ، كانت مكة المكرمة غارقة في صمت الليل، وبعد بلاغ الملك عبدالعزيز بالعفو عن الجرائم السياسية، وبينما كان الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود يقف على أعتاب عهد جديد، يراقب دولة فتيّة تمتد رايتها من البحر إلى البحر. لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، كان هناك فتيل يتحرك في الخفاء.

انشق سكون القصر بحامل بريد يحمل أوراقاً بالغة الخطورة. رسائل متبادلة بين بقايا العهد السابق من مشايخ ومثقفين، يطلبون العون من وراء الحدود لإشعال الثورة قبل أن ينعقد الوفاق بين الملك والأمير عبدالله بن الحسين.

أمسك الملك بالرسائل، قرأها في صمت مهيب، وعيناه تنمان عن حزم وعقل يزن الجبال. التفت إلى رجاله وقال جملته التاريخية التي قطعت دابر الشك:

«لا نريد أن نعاقب أحداً بالظن، ولكن لا نترك الفتنة حتى تستيقظ في الحرم».

في ليلة عمياء، نُقل المتهمون إلى سجن الطائف، ريثما تنجلي الحقيقة.

ما إن عبر الخبر مياه البحر الأحمر، حتى تلاقفته صحف القاهرة وعمّان، وتحول السجن التحفظي في العناوين إلى «مجزرة للحريات والمظالم». لم تكن للدولة الناشئة آنذاك سوى صحيفة «أم القرى»، التي كانت تصدر ببطء وتصل على ظهور الإبل، عاجزة عن ملاحقة الآلة الإعلامية الضخمة لخصومها.

في مقهى قاهري يضج بالدخان والنقاشات، كان شاب حجازي يقرأ الصحيفة وعيناه تقدحان شرراً، ويهتف: «أيعقل أن يكون هذا حال بلادنا؟!»

رد عليه شيخ وقور خبير بالدول والأيام قائلاً: «الحقيقة لا تصل دائماً أولاً يا بني؛ أحياناً يسبقها من يرفع صوته أكثر».

لكن الحماس أعمى الشباب، فتأسست «جمعية الشبان الحجازيين» بدعم مالي من جهات إقليمية، وتحول الكيان من ملتقى للمغتربين إلى منبر سياسي شرس يهاجم الحكم السعودي، ويستعدي القوى الكبرى في مؤتمر الخلافة بالقاهرة، رافعين راية حماية الأضرحة المبنية وإشاعة منع المذاهب، بينما كانت الحقيقة أنها حملة لتطهير الحرمين من مظاهر الغلو والخرافة وتوحيد إمامة الحرم المكي خلف إمام واحد.

دارت الأيام دورتها، وجفّت منابع المال السياسية وانقطع دعم الأردن عن الجمعية، ليجد الأعضاء أنفسهم بلا مأوى في غربتهم. وفي لحظة انكسارهم، دخل عليهم الشيخ فوزان السابق، ممثل الملك عبدالعزيز في مصر، يحمل عرضاً لم يتوقعوه:

«إن أرادوا أن يخدموا أهل الحجاز في مصر، فباب الملك مفتوح: للأسر المحتاجة، وللطلبة، ولأبناء السبيل. أما السياسة والفتنة، فلا مال لها من عبدالعزيز».

انحنى الشباب للعاصفة وقبلوا الشرط وعدّلوا ميثاقهم، فتدفقت عليهم الأموال السعودية. لكن سكرة المعارضة عادت لبعضهم فنقضوا العهد، فما كان من الملك إلا أن سحب يده بهدوء، ترفعاً لا غضباً.

من رماد هذه الجمعية، وُلد تنظيم أشد خطورة: «حزب الأحرار الحجازيين»، الذي اتخذ من قصة سجناء الطائف (الذين عفا الملك عن معظمهم وأطلق سراحهم) قميص عثمان، وبدأ يخطط لضرب الدولة في مقتل.

جاءت المحاولة الأولى عام 1351هـ من الشمال. شُحن القطار بالمال والسلاح، ونُقل حامد بن رفادة البلوي من مصر إلى ضباء، ظناً من الحزب أن إشعال النار في الأطراف سيحرق القلب. لكن صقر الجزيرة الملك عبدالعزيز -رحمه الله- لم يترك لهم وقتاً لالتقاط الأنفاس؛ تحركت جيوشه كالصاعقة، وأُطفئت الفتنة في مهدها وعاد الشمال يبسط أمنه.

لم يكد الغبار يهدأ في الشمال حتى اشتعل الجنوب. أوعز رسل الحزب المتمركزين في مصوع وعدن إلى الحسن الإدريسي بنقض عهده مع الملك، وحشدوا له مقاتلين مرتزقة أفارقة.

في رجب من عام 1351هـ، نقض الحسن الإدريسي عهده، كان أمير الأدارسة في جازان وحاول التمرد فالتقت الجيوش في معركة مصيرية لم تكن على شبر أرض، بل كانت اختباراً لبقاء الدولة أو عودتها لزمن الفوضى. دوت المدافع، وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة للمتمردين، وفرّ الإدريسي إلى صنعاء.

وهنا تجلت عبقرية عبدالعزيز؛ فبينما انتظر الجميع حبل المشنقة للرئيس المتمرد، أصدر الملك عفواً ملكياً شاملاً عن الإدريسي، بل وأنزله مكرماً في مكة ليعيش فيها، مؤمناً بأن القوة تحفظ الحدود، لكن العفو هو ما يملك القلوب.

وصل جنون الحزب إلى ذروته. في صباح يوم الجمعة، صباح يوم عيد الأضحى بتاريخ 10 ذو الحجة 1353 هـ (الموافق 15 مارس 1935م)، كان صحن المطاف يغص بالتلبية والدعاء تحت خيوط الفجر الأولى. كان الملك عبدالعزيز وولي عهده الأمير سعود يطوفان بين عامة الحجاج بلا حراسة مشددة.

فجأة، انشقت الصفوف، واندفع ثلاثة رجال يحملون خناجر مسمومة صوب الملك! ارتج الحرم، واختلطت التلبية بصرخات الرعب. وفي جزء من الثانية، رمى الأمير سعود بنفسه فدائياً أمام والده ليتلقى الطعنة، بينما تعامل الحرس مع المعتدين وقضوا عليهم في الحال وهم ثلاثة يمنيين: علي حزام الحاضري، مسعد علي حجير، وصالح علي الحاضري.

سالت الدماء في أطهر بقاع الأرض، ونأت الحكومة اليمنية بنفسها عن الحادث، وتوجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى تدبير «حزب الأحرار».

كانت كل الظروف مهيأة لبطش وانتقام لا يرحم. فالفتن بلغت الحرم وسُفكت الدماء، لكن عبدالعزيز فاجأ العالم بمرسوم تاريخي صدر في 7 شوال 1354هـ: عفو عام وشامل عن جميع المعارضين والمبعدين في الخارج.

عاد المعارضون جماعات ووحداناً، يدخلون على الملك بقلوب ترتجف خلف ضلوعها، فيخرجون بخلع الثراء ومناصب في الدولة التي حاربوها بالأمس.

أمام هذا الطوفان من التسامح، انفض الناس من حول مؤسس «حزب الأحرار الحجازيين». فرّ الرجل إلى عدن محاولاً جمع فلول مقاتلين ليعبر بهم اليمن، لكن قوات الإمام يحيى سحقت حشوده، ليجد نفسه محاصراً تحت الحماية البريطانية في عدن.

حين قررت بريطانيا تسليمه، وعلم أن الإمام يحيى يطلبه، وقف هذا الرجل الذي قضى عمره يحارب عبدالعزيز، ونطق بكلمات صدمت الحاضرين:

سأله الضابط البريطاني بدهشة: «إلى عدوك اللدود؟!»

فأجاب الرجل بصوت انطفأت فيه نبرة التحدي وحلت محله الطمأنينة: «رأيتُ ما صنع بأصحابي.. عفا عنهم، ولن يغدر بي».

دخل زعيم المعارضة على الملك عبدالعزيز في مجلسه. التفت يميناً ويساراً فلم يجد مقاصل، ولا سلاسل، ولا نظرات شماتة.

رفع الملك الصقر بصره إليه، وقال له بنبرة هادئة تذيب الصخر:

«لقد عاد كثيرٌ من الناس إلى بلادهم، وعادوا إخواناً. فارجع إلى أهلك آمناً».

خرج الرجل وهو يحمل في قلبه هزيمة أكبر من هزيمة السلاح؛ لقد تعلم في ثوانٍ ما عجزت عنه سنوات الخصومة: أن الدول قد تُبنى بالسيوف، لكنها لا تدوم وتتلاحم إلا بالعفو والصفح. وظلت تلك اليد الممتدة بالرحمة، أعظم قلاع الدولة السعودية الناشئة.

وصار أعضاء الحزب أعضاء فاعلين في الدولة الحديثة:

تجلت عبقرية الملك عبدالعزيز في مبدأ العفو والاحتواء والدمج السياسي؛ حيث لم يكتفِ بإصدار العفو الشامل عن أعضاء وأقطاب «حزب الأحرار الحجازي»، بل أسند إليهم مناصب قيادية رفيعة ومهمة في الدولة فور عودتهم ووثوقه في ولائهم، وتعجب من عبقريته وتحويل العدو لصديق وعضو فاعل في المجتمع، وهذه مسرد ما آل إليه حالهم ومناصبهم التي تقلدوها عقب صدور العفو الملكي الشامل: