الملك المؤسس وحكاية الذهب الأسود

تعود بدايات إنتاج النفط إلى عام 1933م، عندما أُبرمت اتفاقية الامتياز بين المملكة وشركة (سوكال)، وتم إنشاء شركة تابعة لها سُمّيت بكاليفورنيا أرابيان ستاندارد أويل كومباني (كاسوك) لإدارة الاتفاقية. وبدأ العمل على الفور بمسح صحاري المملكة لتحديد مواقع النفط، وانطلقت أعمال حفر الآبار في عام 1935م. وعقب سنوات من الجهد المضني، لم يَلُح في الأفق أي نجاح يُذكر، فقرر المسؤولون التنفيذيون في (سوكال) عام 1937م الاستعانة بمشورة كبير الجيولوجيين (ماكس ستاينكي)، الذي أشار عليهم، من واقع خبرته الطويلة في العمل الميداني، بأن يستمروا في أعمال الحفر. وشهد العام 1938م إرساء أولى لبنات ازدهار مستقبل المملكة ونجاح جهود أرامكو، وذلك بالتزامن مع باكورة إنتاج النفط بكميات تجارية من بئر الدمام رقم 7، التي أُطلق عليها اسم «بئر الخير». **media[2769878]** المؤسس.. التحدي والإصرار يؤكد أستاذ التاريخ السعودي بجامعة الطائف الدكتور مترك السبيعي لـ«عكاظ»، أن الملك عبدالعزيز -رحمه الله- أحد النماذج الكبرى في التاريخ الحديث التي يُشار لها بالبنان في التحدي والإصرار، منذ البدء ببناء دولته العظمى، مليئة بالقصص البطولية المبنية على أسس ثابتة قفزت بالصحاري الخالية إلى مدن صناعية، ومراكز حضارية يتفيأُ ظلالها الشعب السعودي إلى يومنا هذا. ولفت إلى أن اكتشاف النفط و(رحلة الذهب الأسود) حملا في طياتهما، مع صعوبتهما وشبه استحالتهما، تشويقاً وإثارة، في ظل البذل والمغامرات وقلة الإمكانات، مؤكداً أن الملك عبدالعزيز أدرك في وقت مبكر، منذ العام 1342هـ، أهمية استثمار خيرات بلاده، فبدأ التنقيب عن النفط في الأحساء، رغم تردد ورفض المكتشفين، ثم أنهى -رحمه الله- بعد ذلك في 1346هـ عقد امتياز تنقيب الشركة السابقة لإخفاقها في التزاماتها، ثم كلف الجيولوجي الأمريكي الخبير «كارل تويتشل» بالبحث عن الزيت والمعادن في العام 1350هـ، لتؤكد أعماله وجود الزيت في المنطقة الشرقية، وبحنكة الملك عبدالعزيز وبعد نظره -رحمه الله-، وكذلك لنجاحه في استقرار البلاد سياسياً وأمنياً، شكّل كل ذلك قاعدة ممتازة لجذب رأس المال الأجنبي، حيث بدأت الشركات الأمريكية والبريطانية تتوافد، بل تتنافس بشراسة، لكسب ذلك الامتياز الثمين مع الملك عبدالعزيز، الذي درس بعبقريته الفذة كل العروض المقدّمة، ثم وجّه في 4 صفر 1352هـ/ الموافق 29 مايو 1933هـ بتوقيع اتفاقية الامتياز للتنقيب عن الزيت مع شركة (سوكال الأمريكية)، ونُشرت بنودها آنذاك في جريدة أم القرى، وبدأ توافد الجيولوجيين الأوائل الذين حطّوا رحالهم عند بلدة الجبيل الساحلية. جاءت بشائر الفرح الدكتور السبيعي أوضح أن الملك عبدالعزيز استمر في صبره وعدم يأسه، واثقاً بالله ثم خيرات أرضه؛ حتى جاءت بشائر الفرح بتدفق أول نفط تجاري بأرض الوطن شمال الظهران من «بئر الخير»، وهي البئر رقم (7)، وذلك يوم الجمعة غرة محرم عام 1357هـ/ الموافق 4 مارس 1938م، ثم أعلنت الشركة لحكومة المملكة رسمياً أنها بدأت في إنتاج النفط منها بكميات تجارية. وكشف السبيعي أن الانطلاقة التي لا تُنسى كانت عندما توجّه الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- عبر نفود الدهناء إلى المنطقة الشرقية في الأول من مايو 1939م، وللتاريخ، أدار بيديه الكريمتين الصمّام الذي سمح بتدفق الزيت إلى الناقلة (دي. جي. سكوفيلد)، وتم تصدير أول شحنة زيت سعودية، معلناً بداية عصر جديد من التنمية للمملكة. الاستعانة بالإبل في الإرشاد ولأن الإنسان السعودي جزء لا يتجزأ من البناء والتنمية، فقد وجّه الملك عبدالعزيز أن يكون شريكاً في رحلة النفط الكبرى، فشارك بجهده وما يملك في أعمال التنقيب، فكان الجيولوجيون الأوائل آنذاك يعتمدون على البدو لإرشادهم من مكان لآخر، كما تمّت الاستعانة بإبلهم لتزويد المخيمات النائية بإمدادات الديزل والبنزين والأسمنت بعد محدودية القوى وقلة المعدات بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، وفي هذا الجانب يروي رئيس مجلس إدارة الشركة، كبير المديرين التنفيذيين المتقاعد في شركة أرامكو 1947م (فرانك جنكرز)، التسهيلات السعودية الكبيرة لتوفير بيئة عمل مميّزة من أجل إنجاح هذا المشروع التاريخي الكبير، كما يؤكد أن السعوديين يبحثون دائماً عن التعلم، ولديهم قوة ذكاء عالية.الدكتور السبيعي أوضح أن الملك عبدالعزيز حينها كان لديه نظام عمل حازم وقوي تجاه جميع ما له علاقة بإنجاح تلك الأعمال، ويعقد كل خميس مجلساً مفتوحاً، ويستقبل كل مواطن يود مقابلته، ويسأل عن كل جديد حول سير العمل، ويحقق في التراجع والتقصير، ويكافئ على الإنجاز والتطوير؛ لذلك نجحت (أرامكو) وباتت كياناً وطنياً عالمياً غنياً انعكس أثره على بناء الدولة وتنميتها. وهذا بفضل الله ثم برؤية الملك عبدالعزيز الثاقبة التي كانت تؤكد أهمية توظيف عائدات النفط لبناء الوطن من خيراته وبسواعد أبنائه على أسس تطوير حديثة تحقق القوة والسعادة لشعبه، وتنقله من وطنٍ كان يرتكز اقتصاده على الزراعة والرعي وتربية الماشية إلى دولةٍ كبرى فرضت نفسها على المشهد الاقتصادي العالمي كأكبر مصدر للنفط.