الملفوظ بين البنية والاستعمال

يُمثّل التمييز بين الجملة والملفوظ أحد مراكز الاهتمام في اللسانيات الحديثة، ولا سيما في المقاربات التداولية ولسانيات التلفظ منها، وتحديدًا تلك المشاريع العلمية التي اضطلع بها كلٌّ من بنفنست وديكرو في منتصف القرن الماضي والربع الأخير منه.. إذ لم يعد كافيًا النظر إلى اللغة بوصفها نظامًا شكليًا مكتفيًا بذاته، بل غدا استحضارُ شروط الاستعمال التي تُخرِج البنية من طور الإمكان إلى طور الإنجاز ضرورةً لتحقيق المعنى اللغوي. وفي هذا السياق يبرز مفهوم «الملفوظ» باعتباره وحدةً لغويةً تتجاوز حدود الجملة، وتستمد كيانها من ارتباطها بالسياق وبفعل المتكلِّم (الفعل الكلامي). إذ يُفهم الملفوظ على أنه تحققٌ خاص للجملة في سياق استعمالي محدّد. فالجملة بوصفها كيانًا نظريًا تظلُّ قابلة للتكرار في صور لا نهائية، بينما يُمثل كلُّ تحققٍ منها ملفوظًا مستقلًا يرتبط بزمان ومكان وقصد تداولي خاص. ومن هنا.. فإن العلاقة بين الجملة والملفوظ ليست علاقة تطابق، وإنّما علاقة تحويل من البنية إلى الحدث؛ حيث تنتقل الجملة من مستوى الإمكان اللغوي إلى مستوى الإنجاز الفعلي. لذا فالملفوظ يتحدَّد في ضوء الطرح التداولي بجملة من الشروط أبرزها: الاتساق الداخلي (cohesion) بحيث تتوفّر في الملفوظ بنية دلالية تسمح بفهمه كوحدة متكاملة. بالإضافة إلى شرط الاستقلال النسبي (relative autonomy) أي أن يكون الملفوظ مقصودًا لذاته، لا مجرد جزء تابع لغيره من الكلام. وعليه فإنّ كلَّ مقطع لغوي لا يُحقق هذين الشرطين لا يُمكن اعتباره ملفوظًا مكتملًا حتى وإن بدا جزءًا من خطاب أوسع. وهذا ما يُفسر استبعاد بعض التراكيب الناقصة أو التابعة من عِداد الملفوظات ما لم تكتسب استقلالها التداولي. ويترتب على هذا التمييز بين الجملة والملفوظ تمييزٌ منهجي بين الدلالة والمعنى، فالدلالة خاصية للجملة؛ حيث تنتمي إلى النظام اللغوي وتُستمَد من انتظام الوحدات وفق قواعد التركيب. أمَّا المعنى فهو خاصية للملفوظ، ويتحقق في الاستعمال كونه مرتبطًا بالسياق ومقاصد المتكلم. وبذلك، لا تُفهم اللغة فهمًا مكتملًا إلا من خلال الجمع بين مستويي البنية الذي تنتجه القواعد، والاستعمال الذي يمنحها قيمتها التداولية. فيتجاوز الملفوظ من كونه بنيةً دلاليةً إلى كونه فعلًا لغويًا؛ فيرتبط بحدث التلفظ نفسه. وحين نقول إنّ الملفوظ حدث، فإنَّنا نُعيد إدخال المتكلِّم إلى مركز اللغة؛ لذا فكلُّ ملفوظٍ ما هو إلا أثر لنشاط المتكلِّم في لحظة مخصوصة ممّا يتعذَّر فصله عن هذا النشاط. ومن هنا ينشأ التداخل بين مفهوم الملفوظ ومفهوم التلفظ؛ حيث يُنظر إلى الأول بوصفه نتيجة للثاني، في حين يُمثِّل التلفظ العملية التي تُنتجه. وتتجلَّى خصوصية الملفوظ في احتوائه على ما يُعرف بالإشاريات التداولية مثل الضمائر (أنا، أنت)، وأدوات الزمان (الآن، أمس)، والمكان (هنا، هناك). وهذه العناصر لا تحمل دلالة ثابتة في ذاتها، بل تستمد معناها من مقام التلفظ. وعليه، فإن المرجعية في الملفوظ ليست معطى جاهزًا، بل تُبنى داخل الفعل اللغوي نفسه، بما يجعل الملفوظ وحدةً ديناميكية تتشكل في كلِّ مرة وفق شروط استعمالها. فيرتبط الزمن في اللغة بالملفوظ ارتباطًا وثيقًا، إذ لا يُفهم بوصفه مجرد تصنيف نحوي، بل بوصفه أثرًا لحدث التلفظ. فالأزمنة اللغوية تُحيل في جانب منها إلى لحظة التلفظ التي تُمثّل مركز الإحالة الزمنية. ومن ثم فإنّ الزمن اللغوي لا يُدرَك إلا في ضوء العلاقة بين البنية والفعل، أي بين الجملة والملفوظ. أضف إلى ذلك أنّ الملفوظ لا يقتصر على نقل المعنى، بل يؤدّي وظيفة تأثيرية في المخاطَب. فأنماط التلفظ المختلفة لا تُفهم بوصفها صيغًا تركيبية فحسب، بل بوصفها أفعالًا إنجازية تسعى إلى إحداث أثرٍ ما. وهذا ما يجعل الملفوظ وحدةً تداولية بامتياز كونه يتجاوز حيّز الوصف إلى حيث التأثير. وعلى الرغم من ارتباط الملفوظ بالسياق، فإنَّ أثره لا يبقى خارج اللغة، بل ينعكس في بنيتها من خلال بعض التراكيب الخاصة، والمقولات التي تحمل طابعًا تداوليًّا، وأفعال التلفظ التي تُشير إلى النشاط اللغوي ذاته. وبذلك يُمكن القول إنّ الملفوظ عنصرٌ فاعل في تشكيل النظام اللغوي نفسه. جدير بالذكر أنّ التمييز بين الجملة والملفوظ أدّى إلى إعادة النظر في وحدة التحليل اللساني. فالجملة رغم أهميتها تظل وحدةً نظرية لا تكفي لتفسير الظواهر المرتبطة بالسياق. في حين يُتيح مفهوم الملفوظ مقاربةً أكثر ملاءمة؛ وذلك لارتباطه بالسياق، ولأنّه يستحضر المتكلِّم والمخاطَب، ويُفسر الظواهر التداولية التي تعجز الجملة عن احتوائها. ختامًا يتبيَّن لنا أنّ مفهوم الملفوظ قد مثّل نقلة نوعيّة في دراسة اللغة من التركيز على البنية إلى استحضار الاستعمال. فهو وحدة تجمع بين الشكل والمعنى، وبين النظام والحدث، وتكشف عن الطابع الديناميكي التواصلي النشط للغة. ومن ثم .. فإنّ أيّ مقاربة لغوية تتجاهل الملفوظ تظلُّ قاصرة عن الإحاطة بحقيقة اللغة في جانبها العملي؛ لأنّها ستغفل بالضرورة البعد الذي تتحقق فيه، أي ستُغفل بُعد الاستعمال.