الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: نصوص المواريث واضحة وصريحة والتجديد لا يعني تغيير الثوابت

عقد الجامع الأزهر، مساء الاثنين، اللقاء الأسبوعي للملتقى الفقهي "رؤية معاصرة"، تحت عنوان: “كتاب الفرائض.. الفكر الحداثي والميراث في الإسلام”.

وجاء ذلك بحضور د. محمد نجيب عوضين، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة القاهرة، والأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ود. علي مهدي، أستاذ الفقه المساعد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالقاهرة، وعضو لجنة الفتوى الرئيسة بالجامع الأزهر، وأمين سر هيئة كبار العلماء، وأدار اللقاء الدكتور كمال نصر الدين، المذيع بإذاعة القرآن الكريم.

وفي كلمته، أوضح د. محمد نجيب عوضين أن الشريعة الإسلامية تقسم الأحكام إلى قسمين رئيسين؛ أولهما الأحكام والثوابت التي جاءت بها النصوص الشرعية القطعية، وثانيهما الأحكام التي تتسع فيها دائرة الاجتهاد والنظر وفق ضوابطه المعتبرة.

وبيّن أن أحكام المواريث تأتي في مقدمة الأحكام التي تولى القرآن الكريم بيانها وتفصيلها بصورة واضحة، وهو ما يجعلها من القضايا التي لا يجوز إخضاعها للأهواء أو الرؤى الفكرية المتغيرة، والمولى سبحانه وتعالى تولى بنفسه بيان أنصبة المواريث في كتابه العزيز، فقال تعالى: "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ"، كما قال سبحانه: "تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ"، بما يؤكد أن هذه الأحكام ليست اجتهادات بشرية قابلة للتعديل بحسب تغير الأزمنة والأفكار، وإنما هي تشريع إلهي قائم على العلم والحكمة وتحقيق مصالح المستحقين.

وأشار إلى أن المتأمل في نظام المواريث يجد أنه لم يقم على مجرد توزيع الأموال، وإنما راعى اعتبارات متعددة تتصل بدرجات القرابة والمسئوليات والالتزامات الأسرية، ولذلك جاءت الأنصبة متفاوتة بحسب الحالات، مع وجود نظام دقيق للحجب والتعصيب والفرض، بما يحقق العدالة وفق التصور التشريعي الإسلامي.

وأضاف د. محمد نجيب عوضين أن العقود الأخيرة شهدت ظهور اتجاهات فكرية متعددة، من بينها الاتجاهات التي تأثرت بالعلمانية والحداثة الغربية، والتي قامت في سياقاتها التاريخية على إعادة النظر في علاقة الدين بتنظيم حياة الإنسان والمجتمع، ثم انتقلت بعض هذه الأفكار إلى المجال الإسلامي، وأصبح من آثارها محاولة إعادة قراءة عدد من الأحكام الشرعية، ومنها أحكام الأسرة والمرأة والميراث، وفق مفاهيم معاصرة تقوم على المساواة بمعناها المطلق أو على إخضاع الأحكام الشرعية للمتغيرات الاجتماعية والفكرية.

وشدد على ضرورة التمييز بين التجديد المشروع الذي ينطلق من أصول الشريعة وقواعد الاجتهاد المعتبرة، وبين إعادة صياغة الأحكام القطعية استجابة لضغوط فكرية أو اجتماعية؛ لأن التجديد لا يعني تغيير الثوابت، وإنما يعني حسن تنزيل الأحكام على الوقائع المستجدة في إطار مقاصد الشريعة وضوابطها، كما أن القرآن الكريم لم يترك قضية المواريث دون بيان، بل فصل أحكامها في مواضع متعددة، فقال تعالى: "يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"، وهو ما يكشف عن أهمية الالتزام بما قررته النصوص القطعية، مع فهم حكمتها ومقاصدها، وعدم التعامل معها باعتبارها قضية قابلة لإعادة التشكيل بحسب كل مرحلة تاريخية.

من جانبه أوضح د. علي مهدي أن علم الفرائض من أدق أبواب الفقه الإسلامي، لما يتضمنه من أحكام تفصيلية تتعلق بحقوق الورثة، مشيرا إلى أن دراسة هذا العلم لا تقتصر على معرفة الأنصبة، وإنما تشمل فهم أسباب الإرث وشروطه وموانعه، وأحكام الحجب والفرض والتعصيب، بما يضمن وصول الحقوق إلى مستحقيها وفقا لما قررته الشريعة الإسلامية، كما أكد أهمية نشر الوعي بأحكام المواريث بين أفراد المجتمع، خاصة في ظل ما قد ينشأ من خلافات أسرية نتيجة الجهل بالأحكام الشرعية أو الخلط بين العادات الاجتماعية والأحكام الدينية.

وأضاف د. علي مهدي أن بعض المحاولات الحداثية في إعادة قراءة أحكام الميراث تقوم على إيهام القارئ بإعادة فهم النصوص الشرعية، في حين أن نصوص المواريث جاءت واضحة وصريحة في بيان الأنصبة والحقوق، ولا تحتمل إخضاع دلالاتها القطعية لتأويلات تخرج بها عن مقاصدها وأحكامها المقررة، والإشكال الحقيقي يكمن في محاولة تعطيل دلالة النص أو تجاوزها بدعوى مواكبة العصر، واتخاذ قضية المرأة وحقوقها في الميراث ذريعة لإعادة صياغة أحكام الفرائض يمثل التفافا على حقيقة التشريع الإسلامي.

وأوضح أن القرآن الكريم لم يقرر حكما واحدا للميراث في جميع الحالات، وإنما وضع أنصبة متعددة تتغير بحسب درجة القرابة ووجود الورثة وتعددهم، فجاءت بعض الصور يكون فيها نصيب المرأة مساويا لنصيب الرجل، وفي صور أخرى ترث المرأة أكثر منه، وفي حالات ترث المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال، وفي بعض الحالات يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو حكم مرتبط بصورة محددة من صور الميراث وليس قاعدة عامة تحكم جميع مسائل الفرائض، بما يؤكد ضرورة دراسة نظام المواريث كاملا وعدم اختزاله في حالة واحدة أو اتخاذها مدخلا للطعن في منظومة تشريعية متكاملة.