صدر عن دار المفردات مع منتصف هذا العام 2026، وفي طبعته الأولى، كتاب "ينبع النخل.. صفحات من تاريخها وتراثها" للدكتور عبدالله المعيقل، في (215) صفحة، ليضيف إلى المكتبة السعودية عملاً معرفياً يتجاوز حدود التوثيق التقليدي إلى قراءة المكان بوصفه كائناً حياً، يتنفس عبر ذاكرته، ويتجدد عبر أبنائه، ويستعيد ملامحه كلما أوشكت الأيام على تغطية بعض تفاصيله بغبار الزمن. ومع اتساع الاهتمام اليوم بالمدن الكبرى وتحولات العمران المتسارعة، تبدو مثل هذه الإصدارات أكثر من مجرد كتب تؤرخ لقرية أو وادٍ أو مدينة.. إنها استعادة واعية للهوية في أكثر تجلياتها قرباً من الإنسان، فالأوطان لا تُقرأ من خرائطها وحدها، حين تكتب من حكايات أمكنتها الصغيرة، ومن تفاصيل الحياة التي صنعت وجدان الناس فيها، ومن هنا تأتي القيمة النوعية لهذا الكتاب، إذ يقوم بوظيفة الذاكرة المعرفية النشطة، تلك الذاكرة القادرة على استدعاء الماضي لا بوصفه زمناً منقطعاً، وإنما باعتباره مادة حية قابلة للفهم والتأويل وإعادة القراءة. لقد نجح المؤلف في أن يجعل من التاريخ حواراً مفتوحاً بين الأمس واليوم، وأن ينظر إلى الوقائع بعين معاصرة تمتلك أدوات المعرفة الحديثة ومنهجية الباحث القادر على التفسير والتحليل معاً، فليس المهم أن نعرف ماذا حدث فقط، حين علينا أن نفهم لماذا حدث، وكيف تشكلت نتائجه، وأي أثر تركه في المكان والإنسان، وهنا تتجلى أهمية هذا اللون من الكتابة الذي يحرر التاريخ من جموده، ويعيده إلى الحياة بوصفه خبرة إنسانية متجددة. ومن الجوانب اللافتة في الكتاب تلك المساحة التي منحها المؤلف لأقوال الرحالة ومشاهداتهم حول ينبع النخل، غير أن التفاتته لهذه النصوص لم تكن التفاتة الناقل الذي يكتفي بإيراد الشواهد، وإنما يحضر هنا الباحث الذي يحاورها ويفككها ويعيد النظر في بعض استنتاجاتها، فالرحالة مهما بلغت دقتهم، كانوا أبناء لحظاتهم وثقافاتهم وانطباعاتهم الخاصة، ولذلك جاءت قراءتهم للمكان أحياناً ناقصة أو منحازة أو محكومة بحدود الرؤية العابرة.. ومن هنا تبدو قيمة الكتاب في أنه لم يتعامل مع تلك الأطروحات بوصفها حقائق نهائية، بل بوصفها نصوصاً قابلة للنقاش والتحليل والمراجعة، لقد أعاد الدكتور المعيقل قراءة المكان من داخله، مستعيناً بالوثيقة والذاكرة والرواية المحلية والشاهد التاريخي، ليمنح القارئ صورة أكثر اتزاناً وعمقاً، وهكذا تحولت نصوص الرحالة من مجرد مادة وصفية إلى نافذة معرفية يطل منها الباحث على أسئلة التاريخ والجغرافيا والتحولات الاجتماعية.. ولأن الأمكنة لا تعيش بالتاريخ وحده، فقد منح المؤلف الشعر مكانته التي يستحقها في سرد حكاية ينبع النخل، وليس ذلك غريباً فالشعر ظل عبر العصور الراعي الرسمي للحنين إلى الأمكنة، والحارس الأوفى لذاكرتها العاطفية، فما أكثر المدن التي ضاعت معالمها وبقيت حية في بيت شعر، وما أكثر القرى التي حفظتها القصائد أكثر مما حفظتها الوثائق، لقد أدرك المؤلف هذه الحقيقة، فتتبع حضور ينبع النخل في أصوات شعرائها عبر الأجيال، وجعل من الشعر شاهداً إضافياً على المكان، وحين يتكلم الشعراء عن أوطانهم فإنهم لا يصفون الحجر والنخل والماء فقط، لكنهم يكشفون عن الطبقات الخفية للعلاقة بين الإنسان وأرضه، ولهذا أضفى هذا الحضور الشعري على الكتاب بعداً إنسانياً مؤثراً، وجعل القارئ ينتقل من معلومة التاريخ إلى عاطفة الانتماء، ومن جغرافيا المكان إلى وجدانه. ومن أجمل ما يلفت الانتباه في هذا الإصدار جرأة المؤلف العلمية في التعامل مع المعتقدات الشعبية والعادات والمرويات التي شكّلت جزءاً من ثقافة المكان في ماضيه، فالدكتور عبدالله المعيقل، وهو الأستاذ المعروف في الشعر والأدب بجامعة الملك سعود، وأحد أكثر الباحثين قدرة على الجمع بين الحس الأدبي والانضباط العلمي، لم يتجاهل هذه المرويات رغم غرابتها أحياناً أو طابعها الأسطوري والخرافي في أحايين أخرى، لكنه منحها حقها من الذكر والتوثيق، إدراكاً منه أن الثقافة الشعبية جزء من تاريخ المجتمعات، وأن فهم الماضي لا يكتمل بإقصاء ما كان الناس يؤمنون به أو يتداولونه من حكايات وتصورات، غير أن القيمة الحقيقية هنا تكمن في أنه لم يتوقف عند حدود الرواية، وإنما أعاد تلك المعتقدات إلى دائرة التحقيق والتحقق، مستنداً إلى الرؤية العلمية والثقافية الرصينة، وهكذا بدا الكتاب وكأنه يمارس دورين في آن واحد حفظ الذاكرة من جهة، وتنقيحها وتمحيصها من جهة أخرى. وفي مجمله، لا يكتفي هذا الكتاب بسرد صفحات من تاريخ ينبع النخل وتراثها، لكنه بلا شك يوجه رسالة ضمنية إلى بقية المثقفين والباحثين في مختلف مناطق المملكة، فكل مكان يمتلك ذاكرة تستحق أن تُكتب، وكل قرية أو مدينة أو حي يحمل من الحكايات ما يكفي لصناعة كتاب أو أكثر، وما فعله الدكتور عبد الله المعيقل هنا هو أنه قدم نموذجاً عملياً لما يمكن أن ينجزه المثقف حين يلتفت إلى مكانه بعين المحب ووعي الباحث. ولهذا فإن "ينبع النخل.. صفحات من تاريخها وتراثها" ليس كتاباً عن مكان فحسب، لكنه دعوة مفتوحة إلى استنطاق الأمكنة، وإعادة اكتشافها، وحفظ ذاكرتها للأجيال القادمة، فالأماكن التي لا تُكتب تمضي إلى النسيان، أما تلك التي تجد من يروي حكايتها فإنها تبقى حية، مثل نخلةٍ ضاربة الجذور في الأرض، كلما تقدمت بها السنوات ازدادت انفتاحاً على الشمس.