المقارنة الظالمة بين المدرسة والذكاء الاصطناعي – د.شريف بن محمد الأتربي

منذ بدأت التقنية تغزو كل شيء في حياة الإنسان، وهناك تخوف واضح من آثارها السلبية قبل إيجابياتها، ويظهر ذلك جليًا في قطاع التعليم؛ فكلما ظهرت تقنية من التقنيات، سارع بعض خبراء التعليم إلى التوجس منها خيفة، والنظر إليها بريبة، وكأنها جاءت لتهدم كثيرًا من القواعد التي ظلت مستقرة لمئات السنين، وستكون سببًا في ضياع الطلبة وتأخر التعليم.

ولو أننا وقفنا قليلًا مع أنفسنا، واستثمرنا تجاربنا وخبراتنا، لعرفنا أن السؤال الصحيح ليس: كيف نحارب هذه التقنيات؟ وإنما: كيف نوظفها في خدمة التعليم، ونستخدمها لإعادة تعريف ما ينبغي أن تقوم به المدرسة؟

لقد جاء الذكاء الاصطناعي لييسر كثيرًا من مهام المدرسة في تعليم طلابها. فلسنوات طويلة، كانت المدرسة تقوم بالدور التعليمي كاملًا، ولا يكاد يظهر دور للطالب سوى الحفظ والتدوين في كراسة الاختبار. كان دور المدرسة واضحًا ومحددًا: هناك معرفة يجب أن تصل إلى الطالب، ومعلم يمتلكها، وكتاب مدرسي ينظمها، واختبار يتأكد من أن الطالب قد استوعبها، وكان النجاح التعليمي يقاس، إلى حد كبير، بقدرة الطالب على تذكر ما تعلمه واستدعائه عندما يطلب منه ذلك.

لم تعد المعرفة تنتظر الطالب في كتاب أو مكتبة أو قاعة درس. أصبح بإمكانه أن يطرح سؤالًا على نظام للذكاء الاصطناعي، فيحصل خلال ثوانٍ على إجابة قد تكون أكثر تفصيلًا مما يستطيع أن يجده في مصادره التقليدية. يستطيع أن يطلب شرحًا لمفهوم رياضي، أو تلخيصًا لنص تاريخي، أو تفسيرًا لنظرية علمية، أو حتى أن يحصل على أكثر من طريقة لحل المشكلة نفسها.

وهنا يظهر السؤال الذي ربما سيكون من أهم أسئلة التعليم في السنوات المقبلة:

إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يعرف الإجابة، فما الذي بقي على المدرسة أن تعلّمه؟

السؤال ليس عن الذكاء الاصطناعي في حد ذاته، وإنما عن وظيفة المدرسة في عصر أصبحت فيه المعرفة متاحة على نحو غير مسبوق. فإذا كانت المدرسة ستستمر في أداء الدور نفسه الذي أدته عندما كانت المعرفة نادرة، فإنها تخاطر بأن تصبح أقل ارتباطًا بالعالم الذي يعيش فيه الطالب.

في الماضي، كان الوصول إلى المعرفة تحديًا بحد ذاته. كان الطالب يحتاج إلى الكتاب، ويحتاج إلى المكتبة، ويحتاج إلى المعلم، وربما يحتاج إلى البحث في أكثر من مصدر حتى يصل إلى المعلومة التي يريدها. ولذلك كان من الطبيعي أن يكون جزء كبير من العملية التعليمية قائمًا على نقل المعرفة وتثبيتها.

المشكلة لم تعد: كيف يحصل الطالب على المعلومة؟

كيف يعرف أي معلومة يصدق؟ وكيف يفهمها؟ وكيف يستخدمها؟ وكيف يميز بين الإجابة الصحيحة والإجابة التي تبدو صحيحة؟

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يمنح الطالب إجابة، لكنه لا يستطيع أن يتحمل عنه مسؤولية الحكم على قيمة تلك الإجابة. ويمكنه أن يقترح حلولًا متعددة، لكنه لا يقرر بالضرورة أيها أنسب للسياق الذي يواجهه الطالب، وقد يقدم معلومات غزيرة، لكنه لا يضمن أن الطالب فهمها أو أصبح قادرًا على توظيفها في موقف جديد.

ربما كان أكبر تحدٍ يواجه التعليم اليوم هو التخلص من الصورة القديمة للمدرسة باعتبارها المكان الذي تُخزّن فيه المعرفة وتُنقل منه إلى الطالب.

فالمدرسة ليست مستودعًا للمعلومات، والمعلم ليس محرك بحث بشريًا، والكتاب المدرسي ليس المصدر الوحيد الذي ينبغي أن يعرف الطالب محتواه.

إن القيمة الحقيقية للتعليم تبدأ عندما ينتقل الطالب من مرحلة امتلاك المعلومة إلى مرحلة امتلاك القدرة على التعامل معها.

وهذا يعني أن المدرسة مطالبة بأن تعلم الطالب أشياء قد تصبح أهم من الإجابة نفسها:

وأن يعرف، قبل كل ذلك، متى تكون الإجابة التي أمامه جديرة بالثقة ومتى ينبغي أن يعيد النظر فيها.

في التعليم التقليدي، كثيرًا ما كان الطالب الذي يعرف الإجابة هو الطالب المتفوق.

أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد يصبح الطالب المتفوق هو الذي يعرف السؤال الذي ينبغي أن يطرحه أصلًا.

فالأسئلة الجيدة تحتاج إلى فهم للمشكلة، وقدرة على تحديد ما نعرفه وما لا نعرفه، وإدراك للعلاقات بين الأشياء، ثم صياغة دقيقة لما نريد الوصول إليه.

ولهذا فإن تعليم الطالب كيف يسأل قد يصبح أهم من تعليمه كيف يحفظ عشرات الإجابات.

والطالب الذي يستطيع أن يسأل سؤالًا عميقًا، ويعيد صياغته، ويفحص الافتراضات التي يقوم عليها، ويطلب الأدلة التي تؤيده، هو طالب يمتلك أداة ستظل نافعة معه حتى عندما تتغير التكنولوجيا نفسها.

ولكن هل يعني ذلك أن المعرفة لم تعد مهمة؟

وهنا يجب أن ننتبه إلى خطأ آخر قد نقع فيه: أن نقول إن الذكاء الاصطناعي جعل المعرفة غير مهمة.

فالطالب لا يستطيع أن يفكر بصورة عميقة في شيء لا يعرف عنه شيئًا، ولا يستطيع أن يكتشف خطأ في إجابة إذا كان يفتقر إلى المعرفة التي تمكنه من اكتشافه.

المعرفة تظل أساس التفكير، لكنها لم تعد الغاية الوحيدة من التعليم.

الفرق أن المدرسة مطالبة اليوم بأن تنتقل من سؤال:

وهنا تتحول المعرفة من نهاية الرحلة إلى نقطة انطلاق.

ربما تكون أهم المهارات التي ستحتاجها الأجيال القادمة هي تلك التي لا يمكن اختزالها في استدعاء المعلومات.

كيف يتعامل مع مشكلة لا توجد لها إجابة واحدة؟

هذه ليست مهارات هامشية يمكن إضافتها في نهاية المنهج، وإنما هي جوهر التعليم الذي نحتاج إليه.

فالذكاء الاصطناعي قد يساعد الطالب في الوصول إلى عشر إجابات، لكن المدرسة هي التي ينبغي أن تساعده في اختيار الإجابة الأفضل، وفهم سبب كونها أفضل، ومعرفة آثار استخدامها.

لم يعد من الضروري أن يكون المعلم هو المصدر الوحيد للإجابة، ولا أن يكون الطالب مجرد مستقبل لها. يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة داخل عملية التعلم، بينما يبقى المعلم قائدًا لها.

قد يطرح الطالب سؤالًا، ويستعين بالذكاء الاصطناعي في الوصول إلى إجابة، ثم يعود إلى المعلم ليختبر ما فهمه، ويناقش زملاءه، ويفحص الأدلة، ويكتشف الأخطاء، ويعيد بناء الإجابة، ثم يستخدم ما تعلمه في موقف جديد.

وهكذا تصبح التقنية جزءًا من عملية التعلم، لا بديلًا عنها.

كثير من النقاش حول الذكاء الاصطناعي في التعليم ينتهي إلى سؤال: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل المعلم؟

كيف سيصبح المعلم أكثر قيمة عندما تتولى الآلة جزءًا من العمل الذي كان يستهلك وقته؟

إذا استطاع الذكاء الاصطناعي أن يشرح مفهومًا مرة ثانية وثالثة وعاشرة، وأن يقدم تدريبات متنوعة، وأن يساعد في إعداد بعض الأنشطة، وأن يقدم تغذية راجعة أولية، فإن هذا قد يحرر المعلم من جزء من الأعمال التي يمكن للتقنية أن تؤديها.

وعندها يمكن أن يتفرغ أكثر لما لا تستطيع الآلة أن تقوم به بالمعنى الإنساني الكامل: أن يعرف الطالب، وأن يفهم دوافعه، وأن يكتشف نقاط قوته، وأن يلاحظ تردده، وأن يبني ثقته بنفسه، وأن يوجهه عندما يحتار، وأن يكون نموذجًا أمامه في التفكير والسلوك والمسؤولية.

فالذكاء الاصطناعي قد يقدم للطالب إجابة، لكن المعلم هو من يساعده على أن يصبح قادرًا على الحكم عليها.

وبذلك لا يفقد المعلم قيمته بسبب الذكاء الاصطناعي؛ بل قد تصبح قيمته الإنسانية والتربوية أكثر وضوحًا.