«المفهوم الإجرائيّ» هو المفهوم الذي يجمع عدة إجراءات عمليّة محددة، تبدأ بمعطيات تُجرى وفق قواعد وخطوات للوصول إلى نتيجة نهائيّة، مثل «القسمة المطوّلة»، فلا نذكر خطواتها دون تسمية نحو: الرقم الفلاني يقسّم على الرقم الفلاني والحاصل من القسمة كذا وكذا، ثم كذا وكذا...! بل نضع كل هذه العمليات في لفظ جامع هو «القسمة المطوّلة». و«المفهوم الإجرائي» غير «المفهوم المجرّد»؛ إذ الإجرائي وصف لعمليات محددة، مقابل المجرّد الذي يتجه نحو وصف الماهيات أو الحقائق -إن صحّت التسمية-، أو الصفات الجامعة، فلا نقول مثلاً: خشبة موضوعة على أربعة قوائم، يأكلون طعاماً فوقها، بل نسميها «طاولة»، باسم جامع للأوصاف والوظائف، مع تقييدها بلفظ زائد «طعام» حتى لا تختلط وظيفتها بوظائف طاولات غيرها. فالمفاهيم المفهوميّة تقييد لمجموع الأوصاف والأفعال تحت مظلّة «الاسميّة». وبين التجريد والإجراء مناطق ضبابية عدّة؛ إذ يشيع الجمع بين التجريد والإجراء للمفهوم الواحد، عند النظر إليه من جهة تعريفه بحقيقته أو صفاته الظاهرة باعتبار، وباعتبار من جهة التعريف بفعاليّته (العمليات)؛ غير أنّ هذه الفعالية مشروطة بالإنتاجيّة -في التعريفات الأكاديمية المعاصرة؛ لتقديمها في عدد من الأبحاث والأوراق والأطاريح-. ويمكن النظر لأكثر مفهوم حار فيه أهل التجريد الأقصى وهو «العلم» (وفق المناهج العلمية المتأثرة بالصنعة اليونانية- والأرسطية خاصة) من حيث العجز عن تعريفه بالحدّ، لعدم إدراك ماهيّته! وقد يعرّف بنقيضه، وهو «الجهل»، أو مرادفه، نحو: المعرفة. مع مفارقة تعريفه بالإجراء الذي شاع، ولكن لم يعِ مستعمله ذلك إلا في زمن لاحق، إذ سبق العمل بتعريفه الإجرائي على الحيرة والتوقف تجاه تعريفه التجريديّ؛ إذ العلم أُخذ تعلّماً-تعليماً عملياً، فسبقت إجرائيّته تجريديته. واتساع النظر للمفاهيم بالإجراء والتجريد معاً؛ يمنحها قوّة دافقة، قد يستشعر مستعملها قيمتها الإجرائيّة وقد لا يفعل، مستفيداً من ثمارها دون وعيه بهذه النقلات العمليّة. ومن ذلك ظهور قوّة إجرائيّة لمفاهيم أقرب للتجريد في أصلها، ومن ثمّ انتظمت للتصنيف الوصفي للعلوم: عقائد، فقه، معاملات... وبقي أثرها العمليّ جارياً على مرّ القرون. ومن ذلك طرافة استعمال هذه الإجرائيّة في علم الدلالة، وفق عمليات قام بها باحث يسعى لغرض معيّن، لكنه لم يميز أنّه وقع على «كنز إجرائيّ» من حيث لا يشعر! إذ يمكن تطوير هذه الآليات لتطوير علم الدلالة في مجال التفسير والحديث. وهذا الباحث هو أ.د. إدريس نغش الجابري، إذ قدّم بين يدي طرحه لدلالة «الشك»؛ سياقاً مفاهيمياً يؤثّل من خلاله دلالة «الشكّ» في الكتاب والسنّة، ولم يعمد كغيره إلى جمع الدلالات، ثم تغليب استعمال معيّن عليها؛ بل فرز، ثم ربط «الشكّ» بالذات لا الموضوع وفق النصّ القرآنيّ؛ إذ وردت لفظة الشكّ 15 مرّة في 15 آية، مفردة غير معرّفة أو مجموعة، في المجال العقديّ: التوحيد، الكتب والرسل والبيّنات، الآخرة؛ فالشكّ في هذه الحقائق مبعثه من ذات الشاك، والمطلوب منه أن يبحث عن البراهين لا استخدام طريقة الشكّ. وعندما انعطف نحو السنّة النبويّة، بيّن كثرة ورود اللفظ بين تصنيفي «الرواية والدراية»، واتساع دلالته (ويهمنا منها مجال «الدراية»)، إذ ارتبط الشكّ بـ: العقيدة، والعبادة (الفقه)، وتجنّب الإثم، وطلب الآخرة... فهو أكثر ارتباطاً بالعمل في الاستعمال النبويّ (على صاحبه أفضل الصلاة والسلام)، أمّا في استعمال الصحابة رضي الله عنهم فزاد في الحدود، والشبهات، واللباس، وأكل لحم الحمر الوحشيّة. وجاء في السنّة لفظاً منكراً ومعرفاً، اسماً وفعلاً، جمعاً ومفرداً، ولم تكن دلالته سلبية تؤدي إلى الكفر كما في دلالته القرآنية، بل هو فعالية إنسانية حسب الأوضاع الإنسانية العمليّة. والطريف في الفرز الأوّلي للدلالات، أنّ الجابري استعمل المفهومين الإجرائيين: العقائد والفقه (الأصول والفروع)، ومن ثمّ تعريف الشك من حيث معارضته للمبادئ والعقائد بالدلالة السلبيّة، أمّا المنهج الإنسانيّ التفاعلي والتثبت فمرتبط بالجانب العملي الفرعيّ. فلو لم يُسبق تعريفه للشك بتصنيفات مفاهيم: العقائد، الفقه...؛ كيف يمكنه فرز الدلالات؟ فظهرت إمكانية استعمال مفهوم في أصله تجريدي «التوحيد-الفقه» ليصبح معياراً إجرائيّاً تصنيفيّاً لغيره من المفاهيم، حسب المجال التداولي الإسلاميّ، وتخفيف الفجوة بين المعيارية والوصفيّة. ومن ثمّ ظهور قيمة إجرائية هذه المفاهيم حينما تغدو هياكل ضخمة تنتظم وفقها آلاف المفاهيم والمعطيات، وقوانين على إثرها تُرتب المعطيات. ويمكن تطوير هذه الآليات للتأثيل والبحث والتثبت؛ لإعادة النظر في كثير من الدلالات المفاهيمية.