المغرب والتأهل السعيد.. ورسائل الأمل

هناك من اكتفى بالنظر إلى لوحة النتيجة، فرأى منتخب المغرب يعبر إلى الدور التالي بعد مواجهة صعبة أمام هولندا. لكن من تأمل تفاصيل المباراة أدرك أن ما حدث لم يكن وليد تسعين دقيقة، بل خلاصة رحلة امتدت لسنوات طويلة. فالمغرب لم ينتصر على هولندا داخل الملعب فقط، بل انتصر عليها في التخطيط قبل ذلك بسنوات. في تلك المباراة، لم يكن المنتخب المغربي مجرد طرف ينافس منتخباً أوروبياً عريقاً، بل كان الفريق الذي فرض إيقاعه منذ البداية. استحوذ على الكرة بثقة، وأدار اللعب بهدوء، وأجبر منافسه على الركض خلفها في مشهد لم يكن مألوفًا في مباريات المنتخبات العربية أمام كبار أوروبا. كانت هولندا تبحث عن حلول، بينما كان المغرب يصنعها، وكانت الأفضلية في الشخصية قبل أن تكون في المهارة. ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف وصل المغرب إلى هذه المرحلة؟ فمن الصعب أن يتحول منتخب إلى منافس عالمي بين عشية وضحاها. الانتصارات الكبرى لا تُصنع بالمصادفة، وإنما هي نتاج رؤية واضحة وعمل تراكمي يعرف أين يبدأ وإلى أين ينتهي. عندما أطلق المغرب مشروعه لتطوير كرة القدم عام 2008، لم يكن هدفه تحقيق إنجاز مؤقت أو صناعة فرحة عابرة، بل بناء منظومة قادرة على المنافسة المستمرة. ولذلك بدأ بإعادة هيكلة الإدارة الرياضية، لأن أي مشروع يفتقد الإدارة الرشيدة يبقى معرضًا للتعثر مهما امتلك من مواهب. ثم اتجه الاستثمار نحو البنية التحتية، فشُيدت الملاعب الحديثة، وأُنشئت الأكاديميات، وكان الرهان الأكبر على الإنسان قبل الحجر. لم يكن المطلوب اكتشاف لاعب استثنائي كل عدة سنوات، بل إنشاء منظومة تنتج اللاعبين الموهوبين بصورة مستمرة، حتى تصبح الجودة قاعدة لا استثناء. وجاءت أكاديمية محمد السادس لتجسد هذه الفلسفة؛ ففكرتها لم تكن في المباني أو الإمكانات، وإنما في الإيمان بأن اللاعب المتميز لا يولد جاهزاً، بل يُبنى بالتدريب، ويُصقل بالعلم، وينمو بالصبر والانضباط والعمل اليومي الذي لا يراه أحد. وفي الوقت ذاته، انتشرت الملاعب ومراكز التدريب في المدن والقرى، لتبعث رسالة واضحة لكل طفل بأن الطريق إلى المنتخب يبدأ من ملعب الحي. ولم يغفل المغرب أبناءه المحترفين في أوروبا، بل نجح في احتضانهم ضمن مشروع وطني جذاب، يشعرون معه بأن تمثيل المنتخب ليس مجرد اختيار عاطفي، بل انضمام إلى رؤية رياضية متكاملة تؤمن بالمستقبل. ولهذا وجد كثير منهم أن العودة لارتداء القميص المغربي كانت عودة إلى مشروع يستحق أن يكونوا جزءاً منه. ولهذا، فإن ما يقدمه المغرب اليوم لا يمكن وصفه بالمفاجأة أو المعجزة. فالمعجزات تأتي سريعًا ثم تختفي، أما المشاريع الحقيقية فتتدرج في الصعود حتى تصبح النجاحات أمراً طبيعياً. وما نشاهده اليوم هو حصاد سنوات طويلة من التخطيط والعمل الصامت، ذلك العمل الذي لا يلفت الأنظار في بدايته، لكنه يفرض نفسه عندما يحين موعد النتائج. إن الانتصار على هولندا ليس هو القصة الحقيقية، بل الفصل الأخير منها حتى الآن. أما الفصول الأهم فقد كُتبت في سنوات الإعداد، وفي القرارات التي اتُّخذت بعيداً عن الأضواء، وفي الإيمان بأن بناء كرة القدم يبدأ من تأسيس المنظومة قبل البحث عن البطولات. وهنا تكمن الرسالة الأهم لكل المنتخبات العربية، فالطريق إلى المنافسة العالمية لا يبدأ مع صافرة بداية المباراة، بل يبدأ قبلها بسنوات، حين تتحول كرة القدم من رد فعل على الإخفاقات إلى مشروع وطني طويل المدى. وعندها فقط لن يكون السؤال: كيف فاز المغرب؟ بل كيف نبني نحن أيضاً مشروعاً يصنع الانتصارات، بدل أن نكتفي بالحلم بها؟. الفرحة وسط العائلة تعني الكثير مشجعو المغرب يحتفلون هدف عيسى ديوب