المظلات الأمنية البديلة وصراع النفوذ في باب المندب

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

تتجه المنطقة العربية والإقليمية نحو إعادة تشكيل مشهدها الاستراتيجي تحت وطأة تحركات مكثفة تجمع بين الضغوط العسكرية والحراك الدبلوماسي المحموم، في ظل مؤشرات متزايدة إلى احتمال تجدّد المواجهات الواسعة بين الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب وطهران. ومع تزامن هذه التطورات مع تعقد الأزمات الاقتصادية والسياسية في الإقليم، يبرز التوتر القائم حول ملف اليمن والسيطرة على مضيق باب المندب كأحد أكثر الملفات تأثيراً على حركة التجارة الدولية وسلاسل إمداد الطاقة العالمية.ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل المشهد اليمني عن شبكة التقاطعات الإقليمية، إذ تحوّلت سيطرة أنصار الله على الساحل الغربي وباب المندب إلى ورقة ضغط استراتيجي بيد المحور الإيراني، تستخدم لفرض معادلات ردع قاسية على عواصم الخليج والغرب على حد سواء، مما دفع التحركات الإقليمية والدولية نحو تسريع وتيرة البحث عن مظلات أمنية بديلة وقائية.في هذا السياق المعقّد، كشفت التقارير عن انعقاد اجتماع عسكري سريّ في ألمانيا، برعاية القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، ضم رؤساء أركان الجيش الإسرائيلي ومسؤولين عسكريين من دول عربية وازنة: السعودية والإمارات وقطر والكويت ومصر، لبحث سيناريوهات حماية الملاحة الدولية ومواجهة التهديدات المشتركة المتأتية من الصواريخ والمسيرات وشبكات النفوذ البحري المرتبطة بطهران وشركائها في المنطقة.وقال مسؤولان إسرائيليان إن الاجتماع، الذي نظمه قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) براد كوبر، ولم تعلن عنه أيّ من الدول المشاركة رسمياً، كان الأول من نوعه منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران قبل أكثر من ستة أشهر، رغم عقد لقاءات مشابهة بين قادة عسكريين إسرائيليين وعرب في السابق.شارك في الاجتماع المذكور، إلى جانب زامير وكوبر، رؤساء أركان جيوش السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر، بما في ذلك دول خليجية لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، مما أتاح فرصة نادرة لقادة عسكريين من إسرائيل ودول خليجية لا تقيم علاقات دبلوماسية معها للالتقاء وتبادل الآراء بشأن الحرب.ولا يمكن فصل هذا الاجتماع الأمني العابر للخطوط التقليدية ولا الأزمة المشتعلة في باب المندب عن حركة الدبلوماسية العليا المكثفة التي تشهدها المنطقة، والتي تجلّت بوضوح في زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مصر، حيث تكرّست مساعي التنسيق المشترك بين القاهرة والرياض لتوحيد الرؤى واحتواء التداعيات الكارثية المحتملة لأيّ حرب إقليمية شاملة على الأمن القومي العربي، خصوصاً أمن البحر الأحمر وباب المندب، الذي يشكّل شرياناً حيوياً لا غنى عنه لاقتصاد البلدين ولحركة التجارة العالمية.إن الرابط الجوهري والعميق بين هذه الملفات المتباينة ظاهرياً هو السعي الجماعي لإعادة هندسة منظومة الأمن الإقليمي والدولي، حيث تحاول الأطراف العربية بناء شبكة ردع واقية، تضمن عدم تحول الصدام الأميركي - الإسرائيلي مع إيران، والاشتباك المستمر على الجبهة اليمنية، إلى محرقة شاملة تستهدف استقرار الإقليم وطاقته وممراته المائية الاستراتيجية.إن المخاوف المشتركة من بقاء مضيق باب المندب رهينة لسياسات الأمر الواقع، التي يفرضها أنصار الله، فرضت على صنّاع القرار في القاهرة والرياض وعواصم الخليج الأخرى إعادة تقييم استراتيجيات الدفاع البحري والجوي، وجعلت من التنسيق العسكري المباشر وغير المباشر ضرورة حتمية لتأمين المصالح الحيوية ومنع أي انهيار إضافي في منظومة الأمن البحري الإقليمي، التي تتعرض للانهيار بفعل تراكم الأزمات وغياب الحلول المستدامة.تتمثل النتائج المحتملة لهذه التحركات والاجتماعات الاستثنائية في تكريس واقع استراتيجي جديد عنوانه تقاطع المصالح الأمنية تحت المظلة الأميركية، وارتفاع وتيرة تبادل المعلومات الاستخباراتية التقنية وأنظمة الإنذار المبكر بين الدول المشاركة للتعامل الفوري مع أيّ تهديدات بحرية أو صاروخية قادمة من اليمن أو إيران.كذلك، يتوقع أن تسفر هذه الترتيبات عن تعزيز الدوريات البحرية المشتركة، وتأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، فضلاً عن توحيد الخطاب السياسي والعسكري العربي والخليجي والمصري في مواجهة أي تصعيد محتمل، ومحاولة هندسة تسوية سياسية في اليمن، تضمن تحييد الممرات المائية عن الصراعات العسكرية المسلحة.أما على صعيد التداعيات، فإن المنطقة تقف اليوم بين سيناريوهين، أحلاهما مر؛ فإما أن تنجح هذه الضغوط الدبلوماسية والترتيبات العسكرية المستحدثة في فرض معادلة ردع حقيقي، تبقي الصراع تحت السقف، وتجبر طهران وشركاءها على التراجع وخفض التصعيد، وإما أن تؤدي هذه الاستحضارات العسكرية المكثفة إلى انفجار مواجهة إقليمية مفتوحة ومدمرة، تعيد رسم خريطة النفوذ، وتوازنات القوى برمتها، وسط مخاض إقليميّ بالغ القسوة والتعقيد، يهدّد بتمزيق ما تبقّى من استقرار وهشاشة أمنية في الشرق الأوسط.