79 % من الشركات الكبرى تتبنى برامج مجتمعية والمساهمة في الإنفاق التنموي ترتفع إلى 4.5 % تتجه منظومة المسؤولية الاجتماعية في المملكة إلى مرحلة جديدة تركز على قياس الأثر التنموي واستدامته، مع ارتفاع نسبة الشركات الكبرى التي تتبنى برامج للمسؤولية الاجتماعية من 56 % عام 2019 إلى 79 % حالياً، وصعود مساهمتها في الإنفاق التنموي من 1.19 % إلى نحو 4.5 %. وجاءت هذه المؤشرات خلال أعمال الملتقى الدولي للمسؤولية الاجتماعية 2026، الذي تستضيفه الرياض يومي 5 و6 أكتوبر تحت شعار من الالتزام إلى الأثر، بمشاركة وزراء ومسؤولين وقادة أعمال وخبراء من عدد من الدول، لمناقشة مستقبل المسؤولية الاجتماعية، وتطوير الشراكات بين القطاعات، وتحويل المبادرات المجتمعية إلى أثر تنموي مستدام. وأكد وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أحمد بن سليمان الراجحي أن المرحلة الحالية تتجه إلى تقييم مساهمات المنشآت وفق ما تحققه من نتائج فعلية في المجتمع، إلى جانب حجم الإنفاق، مشيراً إلى مشاركة أكثر من خمسة آلاف شخص وأكثر من 100 متحدث في الملتقى. وأوضح أن المملكة عملت خلال السنوات الماضية على تطوير منظومة المسؤولية الاجتماعية وتعزيز مشاركة القطاع الخاص فيها بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، وصولاً إلى ممارسات مؤسسية أكثر ارتباطاً بالاحتياجات المجتمعية وتحسين جودة الحياة. وبيّن أن توجيه مساهمات المنشآت نحو الأولويات الفعلية للمجتمع يمثل محوراً للمرحلة المقبلة، من خلال تصميم المبادرات وفق قدرات المنشأة وطبيعة الفئات المستفيدة، وربط التنفيذ بمؤشرات تقيس النتائج والأثر. وأشار الراجحي إلى أن تكريم المنشآت ذات المبادرات الفاعلة يمثل حافزاً لتطوير الممارسات المجتمعية، داعياً الجهات الفائزة إلى مواصلة تطوير برامجها وتعظيم نتائجها. تجارب دولية في بناء الأثر وشهدت جلسة تعزيز المسؤولية الاجتماعية للشركات على نطاق عالمي مشاركة أسامة بن صالح العلوي من مملكة البحرين، والدكتورة ليلى بنت أحمد بن عوض النجار من سلطنة عُمان، وبثينة بنت علي الجبر النعيمي من دولة قطر، وماهينور أوزدمير غوكتاش من تركيا، وماساغوس ذو الكفل من سنغافورة. واستعرض أسامة بن صالح العلوي تجربة البحرين ودول مجلس التعاون في تعزيز الشراكة بين القطاعات، مؤكداً أن تعظيم الأثر الاجتماعي يرتبط بتكامل أدوار الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، والعمل ضمن منظومة موحدة ذات أهداف مشتركة. وشبّه تكامل هذه الأدوار بعمل الساعة السويسرية التي تقوم دقتها على انسجام جميع أجزائها، في إشارة إلى أهمية تنسيق الجهود بدلاً من عمل كل جهة بصورة منفصلة. ومن سلطنة عُمان، تناولت الدكتورة ليلى بنت أحمد بن عوض النجار أهمية توجيه مساهمات الشركات نحو الاحتياجات الفعلية للمجتمعات المحلية، وبناء شراكات طويلة الأمد بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني. وشددت على الفصل بين المسؤولية الاجتماعية والنشاط التسويقي، وربط قيمة المبادرات بمقدار التغيير الذي تحققه لدى المستفيدين وقدرتها على الاستمرار والوصول إلى نتائج ملموسة. واستعرضت بثينة بنت علي الجبر النعيمي تجربة قطر في بناء استراتيجية للعمل الخيري والمساعدات الإنسانية وربطها بأولويات التنمية الاجتماعية والأسرة، مع إشراك أصحاب المصلحة ومراجعة البرامج بصورة دورية. كما أكدت أهمية وجود مؤشرات لقياس مستوى التقدم، وتعزيز المساءلة ومتابعة التنفيذ بما يساعد على توجيه الموارد إلى المجالات الأكثر احتياجاً وتأثيراً. الأسرة ورأس المال البشري وتناولت ماهينور أوزدمير غوكتاش التجربة التركية في الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص لمواجهة التحديات الاجتماعية والأزمات، مستعرضة ما أظهره زلزال 2023 من أهمية تكامل الجهود في دعم المتضررين وإعادة البناء. وتطرقت إلى البرامج المرتبطة بدعم الأسرة والمرأة والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، مشيرة إلى أن الاستثمار في الأسرة يمثل استثماراً في رأس المال البشري ومستقبل المجتمع، وأن دور الشركات يمكن أن يمتد من الدعم المالي إلى بناء بيئات أكثر استدامة وتمكيناً. قياس نتيجة الإنفاق وسلط ماساغوس ذو الكفل الضوء على تجربة سنغافورة في توجيه الموارد إلى قطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، موضحاً أن أكثر من 40 % من الميزانية يذهب إلى هذه المجالات. وركز على أهمية الانتقال في تقييم الإنفاق الاجتماعي من رصد حجم الأموال إلى تتبع وجهتها والنتائج التي تحققها، وربط مساهمات الشركات بعطاء مستدام ونتائج طويلة المدى قابلة للقياس. تكامل القطاعات وتحدثت الأميرة سلطانة بنت بدر بن سعود عن التكامل بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي، مؤكدة أن بناء أثر مستدام يبدأ بفهم احتياجات المجتمع قبل تصميم المبادرات. وأشارت إلى أن مساهمة الشركات يمكن أن تشمل الخبرات والتقنيات والابتكارات والكفاءات البشرية والقدرات التنفيذية، بما يوسع مفهوم المسؤولية الاجتماعية إلى ما يتجاوز الدعم المالي المباشر. ومن جانبها، تناولت هناء البنا أهمية إدماج المسؤولية الاجتماعية في نموذج عمل المؤسسات وثقافتها، وربطها بالاستدامة وقياس الأثر وبناء القدرات والتعليم وصناعة القرار. المسؤولية تبدأ من داخل المنشأة وتناول إسماعيل الغامدي البعد الداخلي للمسؤولية الاجتماعية، مشيراً إلى ارتباطها بطريقة تعامل المنشأة مع موظفيها وبيئة العمل والتطوير المهني والثقافة المؤسسية، قبل امتداد أثرها إلى المجتمع. وأوضح أن علاقة الموظف بالمؤسسة ومدى انسجامه مع قيمها أصبحت من العوامل المؤثرة في استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها، فيما ترتبط ثقة المستهلكين بالشركات بممارساتها وسلوكها إلى جانب المنتجات والخدمات التي تقدمها. وبيّن أن نطاق المسؤولية الاجتماعية يمتد كذلك إلى سلاسل الإمداد واستخدام الموارد وتأثير المنتجات والخدمات، لتصبح جزءاً من مختلف عمليات المنشأة. من التبرعات إلى صناعة القيمة وتناول محمد عاشور تطور المسؤولية الاجتماعية من نموذج يعتمد على التبرعات إلى نموذج يركز على صناعة القيمة والأثر، بدءاً من تحديد الاحتياج وتصميم البرنامج، وصولاً إلى قياس نتائجه والعمل على استدامته. وأشار إلى مجالات تشمل تنمية المجتمع والاستدامة البيئية والفنون والثقافة والتعليم والصحة، موضحاً أن بناء تغيير اجتماعي مستدام يحتاج إلى برامج ممتدة تتجاوز الأنشطة قصيرة المدى. الحوكمة والقياس أساس الاستدامة وفي محور قياس الأثر، تناول ستيفن لوه العلاقة بين الحوكمة والقياس وإعداد التقارير، موضحاً أن المؤسسات تحتاج إلى حوكمة تحدد المسؤوليات والأهداف، ثم مؤشرات تقيس النتائج الفعلية قبل الوصول إلى مرحلة التقارير. وفرّق بين المخرجات التي تظهر فور تنفيذ البرامج والنتائج التي تعكس التغيير الحقيقي الذي أحدثته المبادرة، مشيراً إلى أن بعض الآثار الاجتماعية قد تحتاج إلى سنوات حتى يصبح قياسها ممكناً بدقة. ودعا إلى ربط المبادرات بمؤشرات قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وتحديد مسؤول واضح عن كل نتيجة، ووضع خط أساس يسمح بالمقارنة وقياس حجم التقدم. وخلال أعمال الملتقى، كرّم وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أحمد بن سليمان الراجحي الشركات الفائزة في مسار ممارسات المسؤولية الاجتماعية. وعكست جلسات الملتقى اتجاهاً نحو ترسيخ المسؤولية الاجتماعية بوصفها استثماراً تنموياً قائماً على الشراكة والحوكمة والبيانات وقياس الأثر، ودمجها بصورة أوسع في استراتيجيات المؤسسات وصناعة القرار وتحقيق التنمية المستدامة.