“المرة الأولى” ليست لإسرائيل وحدها!

من غير المستغرب إطلاقاً أن تحاط أول انتخابات إسرائيلية بعد إعصار 7 تشرين الأول الذي صار تاريخا لا حاجة إلى التعريف به أسوة بـ11 أيلول، بتغطية إعلامية وديبلوماسية عالمية غير مسبوقة نظرا إلى جسامة ما سينتج من اضطراب داخلي قياسي تشهده إسرائيل ربما للمرة الأولى بهذا الغليان منذ قيامها. ومهما برعت قرائح المحللين والخبراء في استقراء المخاض الإسرائيلي الداخلي الذي جعل التقديرات المسبقة الجازمة بنتائج الانتخابات قبل إقفال صناديق الاقتراع، أشبه بضرب من المستحيلات هذه المرة، يبدو من نافل القول أن النظام الانتخابي الإسرائيلي المعروف بمنسوبه العالي للغاية في مصاف الديموقراطية على أساس التمثيل النسبي الأكثر انعكاسا لتمثيل واسع جدا لمجمل الفئات والمجموعات، حتى هذا النظام لن يجعل الجواب سهلا عن السؤال الأصعب: أيّ إسرائيل سيواجه الشرق الأوسط بعد الاستحقاق الانتخابي، أيا يكن الفائز أو التحالف الحكومي الجديد؟

والحال أن الانتخابات وحدها لن تكفي لرسم ما يعتقد كثيرون أنها خطوط حمر بين حقبتين، قبل وبعد، لأن طبيعة الصراعات التي فجرتها عملية "طوفان الأقصى" والحروب الاستتباعية المتناسلة منها تباعا، منذ ثلاث سنوات بلا انقطاع، يستحيل وضع روادع لها في هذه الـ"إسرائيل" التي طلعت بعد الإعصار، ليتباهى رئيس وزرائها الأعتق في التقلب في السلطة منذ التسعينيات، وزعيم المعسكر اليميني بنيامين نتنياهو، بأنه تجاوز بن غوريون والمؤسسين وغلاة قادة الحروب السابقة كلهم، بمن فيهم الثلاثي الذي اجتاح بيروت عام 1982، بيغن وشارون وشامير، وصار هو الآن "ملك الحروب" في الشرق الأوسط بعدما شن ثماني حروب تباعا، ومرات دفعة واحدة على معظم الجبهات.

بهذا النمط "المصنوع" بعصر ما بعد السابع من تشرين، سيغدو على لبنان أن يتريث كثيرا، بكل اتجاهاته وبمعظم منظريه السياسيين والإعلاميين والإستراتيجيين، في استعجال الاستشرافات المتسرعة والفورية متى أعلنت النتائج النهائية، حيال الأسئلة الحائرة في شأن متى وكيف وبأيّ وسيلة وبأيّ أكلاف ستنسحب إسرائيل من المناطق الجنوبية المحتلة؟ وأيّ مصير وأيّ مآل وأيّ نتائج ستخلص إليها مفاوضات لبنان مع إسرائيل؟ وأيّ إسرائيل ستعود إلى طاولة المفاوضات مع لبنان بعد انتخاباتها؟

هذه "المرة الأولى" تجرى انتخابات الدولة العبرية بعد إعصار السابع من أكتوبر، وستقلب ظهر المجن على كل القواعد الكلاسيكية التي كانت تعتمد لتقييم نتائج انتخابات إسرائيل والانعكاسات التي ترتبها على دول المحيط.

ولكن ما يتعين التوقف عنده في الضفة المقابلة، ضفة البلدان المعنية مباشرة بالاحتلالات الإسرائيلية لأراض منها تحولت إلى مناطق أمنية محروقة ومنزوعة من الحياة، كما في لبنان وغزة، هو أن "المرة الأولى" تنطبق أيضا على الأطراف المواجهين لإسرائيل والمنخرطين في حروب معها، كما على الذين زُجّ بهم قسرا في هذه الحروب وصاروا ضحاياها المباشرين أو الضمنيين. سيتعين على لبنان مثلا، أن يبقى تحت الاختبار دوما كدولة في تنفيذ التزاماته لحصرية السلاح، أيا يكن مفاوضه الإسرائيلي، جديدا أو قديما. كذلك سيتعين على "حزب الله" في المقام الأول، أن يدرك للمرة الأولى والأخيرة، خطورة ركوب مركب اختبار الحكام الجدد أو القدامى في إسرائيل وسط تحفز إسرائيل كلها لساعة انقضاض عليه، إن هو تجاهل تجاهلا قاتلا معنى التعبئة المتصاعدة ضده للمرة الأولى بهذا الحجم وهذه الحدة.