المدينة المنورة وحصانة العقل العربي – د. إبراهيم بن جلال فضلون

التعليم يولد الثقة، والثقة تُنبت الأمل، والأمل يُفضي إلى السلام، فهو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم، فليست أخطر المعارك هي التي تُخاض بالسلاح، بل التي تُخاض على مقعد الدراسة، وفي شاشة هاتف بيد مراهق، وفي غرفة مغلقة تتسلل إليها الأفكار قبل أن يتسلل إليها أحد، في ظلّ تحديات الفكر المتطرف التي تفاقمت في العصر الرقمي، من هذه الزاوية أقرأ المؤتمر الدولي لجهود المملكة في مواجهة الانحرافات الفكرية، الذي احتضنه مركز الملك سلمان الدولي للمؤتمرات في المدينة المنورة، بتنظيم من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ليشهد مشاركته نخب من علماء ومتخصصين من أكثر من 40 دولة، طارحين خلاله 56 بحثًا علميًا محكّماً، ركّزت على مسببات الانحراف الفكري وآثاره وسبل التصدي له بطرق علمية ومعاصرة، مؤكدين أن تجربة السعودية في تعميق قيم الوسطية والاعتدال ونشر الوعي تمثّل نموذجًا رائدًا يُحتذى في العالم الإسلامي. فأرقامه تقول أكثر من الخطب، لكن دلالته أعمق، لتوقفنا أمام تحوّل في طريقة التعامل مع التطرف، من ردّ الفعل الأمني وحده إلى بناء منظومة معرفية تسبق الخطر وتُضعف بيئته الحاضنة، فحين يجتمع باحثون من أكثر من أربعين جنسية على طاولة واحدة، فهذا اعتراف بأن الظاهرة عابرة للحدود، وأن علاجها لا يكون بجهد منفرد.

لقد سابقت المملكة العالم خلال السنوات الأخيرة بخطوات غير مسبوقة لتعزيز حصانة الفكر السعودي، فعقدت شراكة بين المؤسسات الدينية والتعليمية والأمنية والإعلامية لنشر قيم التسامح والاعتدال، ودشنت برامج تربوية مثل برنامج «فطن» الوطني لتوعية الطلاب بأساليب التفكير المناهضة للتطرف، ولم بقف الأمر على ذلك فقد استجابت لما تحقّق من إنجازات، أبرزت خطط رؤية السعودية 2030 لأهمية بناء الوعي الفكري كركيزة أساسية لحماية المجتمع.

لقد اعتمدت السعودية وفق دراسة أكاديمية حديثة في هذا المضمار برامجا متكاملة لتعزيز الأمن الفكري لدى الأجيال، تضم تعليمًا وتوعية وتعزيزًا للهوية الإسلامية الصحيحة. وفي مؤتمر الجامعة الإسلامية، نرى كلمة رئيس اللجنة التنظيمية عن جهود المملكة تُظهر تضافر القِوى العلمية والتربوية: «فقد جرت المراجعة العلمية لـ56 بحثًا تناولت الانحراف الفكري بمعمق، بالإضافة إلى بحث سبل تعزيز التكامل بين الجهات المعنية بالوعي المجتمعي. وأفاد العلماء المشاركون بأن من أهم محاور المؤتمر توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في دعم منظومة الحصانة الفكرية، وذلك عبر أدوات استباقية لرصد التحديات الفكرية الحديثة والتعامل معها بكفاءة».

لقد نالت تجربة السعودية اهتماماً دولياً واسعاً؛ فقد أشار بيان المؤتمر إلى أن المشاركة الدولية الكبيرة تعكس أهمية الموضوعات التي تُناقشها، حيث تُعتبر المملكة من النماذج الرائدة في نشر الاعتدال وحماية الشعوب من الأفكار المتطرفة. ويبدو جليًا أن الرسالة التي انطلقت من المؤتمر هي أن مواجهة الغلو ليست قضية محلية فقط، بل جبهة مشتركة يجمع فيها العالم الإسلامي جهود العائلات والمدارس والدعاة والإعلاميين لحماية العقول والمساجد والفضاءات الرقمية على حدٍ سواء.

التطرف لا يبدأ بحمل السلاح، بل بفكرة صغيرة تجد أرضًا رخوة. والأرض الرخوة هي فراغ المعنى وضعف أدوات التمييز وغياب القدوة القريبة. من يملك القدرة على السؤال والمقارنة والتحقق يصعب أن يُقاد بسهولة، ومن يُترك بلا بوصلة يصبح صيدًا لأي خطاب صاخب، وهذا ما شدّد عليه أمير منطقة المدينة المنورة حين وضع التعليم في مقدمة أدوات بناء الحصانة، وذهب مفتي المملكة في الاتجاه نفسه حين اعتبر أن المواجهة مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة ثم تمتد إلى المعلم والداعية والإعلامي، مع متابعة الأبناء وحمايتهم من المصادر المشبوهة. أما رئيس الجامعة الإسلامية فوصفها بمسؤولية تكاملية لا يحملها طرف واحد. هذه ثلاث رسائل بمعنى واحد: الأمن الفكري سلسلة، وأضعف حلقاتها هي التي تحدد قوتها.

فقد تصبح المجتمعات عرضة لتضليل ذكيّ، ما يجعل جهود فضح «سياقات الإساءة» بالتعاون مع المؤسسات الدينية الدولية محورية. وعلى العالم العربي ككل أن يستثمر في بناء منصات ثقافية متوازنة تُوظف الفنّ والرياضة والمناظرات الفكرية في ردع خطاب الكراهية، انطلاقًا من قناعة مفادها بأن «الإرهاب ليس دينيًّا بل جهليّ».

لقد كان الخطاب المتطرف بالأمس يحتاج إلى منبر ومجلس وكتيب يُتداول سرًا، وكانت المواجهة تقوم على ردّ أمني وخطب وعظية، وتستهدف فئات محدودة، وتعتمد التلقين أداةً للحماية. فتبنّت عدة دول عربية سياسات مماثلة للحفاظ على استقرار المجتمع الفكري. فمثلاً، استعرض مركز سلام للدراسات التطرف والإسلاموفوبيا في مصر حصاده لعام 2025، مبينًا أنه أصدر 67 دراسة وتقارير علمية وأدوات تدريبية متخصصة للتعامل مع ظاهرة التطرف. شملت هذه الإصدارات تحليلات معمقة لأثر التكنولوجيا والإعلام الاجتماعي على جيل «Z»، فضلاً عن حملات ضد الكتب المتطرفة من خلال مشروع «الرد التحليلي» على مؤلفات إرهابية. هذا الكم من الأبحاث يوضح أن مصر أيضًا تعتبر تعزيز الفكر الوسط ومكافحة الخطاب المتطرف من أولوياتها الوطنية.

وبالمثل، تبرز دولة الإمارات نموذجًا في تبنّي استراتيجيات بحثية لمحاربة التطرف الفكري. فعلى سبيل المثال، يشمل مركز «هداية» الذي تمّ تأسيسه عام 2012 برامج عالمية متعددة. فقد نظم برنامج «STRIVE Global» 39 مشروعاً عبر 11 دولة لمكافحة التطرف العنيف بالحلول المحلية، ودعّم نشر الأبحاث والتقنيات الجديدة في الاتصال الرقمي لمواجهة الأيديولوجيات المتطرفة. هذه المبادرات الإقليمية تعكس اهتمام دول الخليج بترسيخ الوسطية عبر أدوات معرفية، بدلاً من الصراع بالقوة.

بينما ركّزت السعودية على تنظيم مؤتمر علمي مكثّف لتبادل الخبرات وتأصيل الفكر الوسط، أنتجت مصر والإمارات مبادرات بحثية دورية تتناول التطرف من وجوه متعددة. ومع تصاعد خطر التنظيمات الإرهابية عالمياً، بات التعاون بين هذه المبادرات على المستوى الحكومي والأهلي أمرًا حتميًا لتعزيز فعالية المواجهة، فحولت المملكة البوصلة لما احتاج اليه من مقاطع مصوّرة وخوارزميات تكرّر المحتوى على المستخدم حتى يظنه الحقيقة الوحيدة، إذ صار الشباب والمراهقون الهدف الأول، وتغيّرت المواجهة إلى شراكة بين التعليم والإعلام والأمن، تقوم على التوعية والحوار، وغدًا ستزداد الصورة تعقيدًا مع المحتوى المُولَّد آليًا والحسابات المصطنعة، وسيكون الجيل القادم رقميًا بالكامل. عندها لن تكفي إلا مواجهة استباقية ترصد الاتجاهات بأدوات الذكاء الاصطناعي، وتبني في الشاب مهارة التفكير النقدي والتحقق من المصادر، ولهذا لفت انتباهي أن المعرض المصاحب للمؤتمر تناول توظيف الذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل في مواجهة التحديات المعاصرة. فمن يواجه خطابًا يتغيّر كل يوم بأدوات ثابتة لن يصل إلى نتيجة.

في العالم العربي شريحة شبابية هي الأكبر في تاريخه، وهي في الوقت نفسه الأكثر حضورًا على المنصات الرقمية. هذه ميزة سكانية هائلة، وتصبح عبئًا إذا لم يُحسن توجيهها. وأرى أن الدول العربية مدعوة إلى أربعة مسارات:

أولًا: المناهج: تعليم يزرع مهارة السؤال والتحقق قبل حفظ الإجابات. الطالب الذي يعرف كيف يفرّق بين مصدر موثوق وشائعة منمّقة يحمل درعًا لا تصنعه الرقابة وحدها.