تتضمَّن سيرة حمزة بن قبلان المزيني (واستقرتْ بها النَّوى) في مجملها، بعض ما عهدناه في السِّير الذاتية، كما تتضمَّن ما يفارق ذلك المعهود في كتب السِّير الذاتية؛ حيث لم يكتف صاحبها بتتبع مراحل حياته الخاصة، ولم يقصر عنايته على تسجيل الوقائع التي مر بها، وإنما اتَّخذ من سيرته الفردية، نافذة واسعة على مرحلة من مراحل التحوُّل الاجتماعي والتعليمي والفكري في بلادنا، إبان النصف الثاني من القرن العشرين.
وقد سبقت هذه القراءة دراساتٌ ومقالاتٌ تناولت هذه السيرة من جوانب محدَّدة، فتناول الدكتور سالم الضمادي في دراسة بعنوان: (الذاكرة وتداعيات المكان) طبيعة توظيف المكان، في السيرة، ورصد حضور البيت والقرية، وأماكن الدراسة داخل المملكة وخارجها، وكيف استعادت الذاكرة تلك الأمكنة وأعادت تشكيلها. وتناولت الدكتورة منى المديهش طرفًا ممَّا ألمحنا إليه في مستهلِّ هذا المقال، في دراسة بعنوان: (تكوين الذات ورؤية العالم) سيرة المزيني، ورأت فيها وثيقة للتاريخ الاجتماعي، وللانتقال من الأُمِّية إلى التعليم، وللحركة الفكرية في المملكة، مع تحليل بنية النص ورؤيته للعالم. إلى جانب مقاربات ومقالات أخرى مهمة تناولت هذا العمل السيري.
وإلى ذلك، فإنَّ هذه القراءة لا تدَّعي سبقًا مطلقًا إلى تلك الموضوعات؛ التي وردت في قراءات سابقة. وإنَّما تنصرف إلى جمع تلك العناصر في مسار تحليلي واحد، يرى في السيرة حركة متصلة؛ من المدينة المنورة والأسرة والطفولة، إلى المدرسة، والجامعة، فالابتعاث، فالأستاذية، ثُمَّ الصحافة والمجال العام؛ بحيث تضمَّنت سيرة الفرد وسيرة التحول الذي عاشه المجتمع من حوله.
إلى جانب أثر مُجريات وأمكنة، وأحوال وانتقالات، وأشخاص، من أهمِّها: (المدينة المنورة، والأم والفقر، والمرض، والتعليم، والابتعاث، والاحتكاك بالثقافة الغربية، والتخصُّص في اللسانيات، فالكتابة الصحفية)؛ في تكوين شخصية صاحب السِّيرة، ورؤيته إلى العلم والمجتمع، واللغة والشأن العام.
وبواسطة هذا المنظور، تصبح السيرة محاولة لاستعادة الطريق، الذي صنع الإنسان راوي تلك الأحداث.
وممَّا استرعى انتباهي في هذه السيرة كثرة العناوين، التي تجاوزت (120) عنوانًا، وكذا الاكتظاظ بالتفاصيل، التي فطن الكاتب إلى قيمتها في استعادة عالم الطفولة، وتكوين الذاكرة، ولذلك عُني بالإكثار من العناوين، التي قسَّم بها فصول سيرته وموضوعاتها. فنجد عناوين ترتبط بالمكان، وأخرى بالأسرة، وثالثة بالأشخاص والأحداث، والأشياء والعادات، والذكريات.
وقد يقصر بعض الفصول أو الموضوعات، بينما يمتد بعضها الآخر بحسب ما تقتضيه المادة المستعادة، ودرجة حضورها في الذاكرة. وهو أمر وارد في كتابة السيرة؛ فالوقائع والذكريات تتفاوت في حجمها وامتدادها، والكاتب هنا ليس مطالبًا بأن يوازن بين أحجام الفصول، أو يجعلها متساوية في عدد الصفحات. فقد يفتح العنوان القصير على ذكرى كثيفة الدلالة، كما قد يحتاج موضوعٍ آخر إلى مساحة أطول، لاستيعاب ما ارتبط به من أشخاص وأمكنة، وحكايات وهوامش.
وتمنح هذه الطريقة القارئ فرصة الانتقال بين وحدات صغيرة من الذاكرة، بحيث تحتفظ كل وحدة بخصوصيتها، وتظلُّ التفاصيل حاضرة في صورتها الأولى. ويبدو ذلك واضحًا في القسم المتعلق بـــــ(المدينة المنورة والعقيق، والبيت، والأم، والمرض، والدِّهليس، والراديو، والألعاب، والكُتَّاب، والمدرسة، والزملاء، والقراءة) وغيرها، من الموضوعات التي استقلت بعناوينها، مع أنَّ بينها خيطًا يصل بين أجزاء التجربة ومراحلها.
وفي اجتماع هذه العناوين تشكَّلت خريطة الطفولة، كما استقرَّت في الذاكرة: مكان وأهل وبيت، ومرض وفقر، ولعب، ومجالس وصوت راديو، وكُتَّاب ومدرسة ورِفاق. وتكتسب التفاصيل الصغيرة دلالتها، حين تنتظم في النسيج النصِّي، وتكوِّن هذه العناصر مجتمعة صورة لمجتمع حيوي، يتحرَّك في زمن متدرِّج التحوُّل، تتناغم عناصره، من الأسرة والحي، والمجلس والعُرف، والمدرسة والإذاعة، والتعليم النظامي، وانشراح الأفق.
المدينة المنورة؛ المكان الذي تكوَّنت فيه الذاكرة
استأثرت المدينة المنورة ومجريات حياة الكاتب فيها، بجزء كبير من هذه السيرة، بلغت حوالي (184) صفحة، وهو ما يؤكِّد أنَّ المدينة المنورة هي منبع جذوره الأُسرية ومُنتماها، والمكان الذي وُلد فيه، وبدأ فيه حياته ثُمَّ غادره، وهي المكان المؤسِّس للذاكرة وللتكوين الأساس، ففي أحيائها وبيوتها، وأسواقها ومزارعها، ومجالسها ومدارسها؛ اختزنت الذاكرة صورها الأولى، وتكوَّنت الأسئلة الأولى التي امتدت مع التعليم، والرحلة والانتقال، والاغتراب، وما إليها.
ولذلك فالبصر في هذه السيرة، يبدأ من هذا المكان، ومن العقيق بصورة خاصة؛ فحديث الكاتب عن مولده ونشأته بجوار وادي العقيق المبارك، يضع المكان في مقدمة عناصر التكوين. والعقيق جزء من الفضاء الذي احتضن طفولته، بما له من بُعدٍ ديني وتاريخي وحضاري، وبما فيه من مزارع وبيوت، وطرق وأهل، ومكونات أخرى، ثُمَّ اتصل بالمدينة المنورة، التي كانت الأسرة تقصدها للسوق، وزيارة المسجد النبوي الشريف، والصلاة فيه، وقضاء الحاجات.
وإلى جانب (المزرعة، والنعناع، وسطح البيت، والطرق المؤدية إلى المدينة، والسوق الذي تقصده الأم كل جمعة)، دخل العقيق في شبكة الحياة اليومية. وارتبطت جغرافيته بالذاكرة، وأصبحت المكونات التي أشرنا إليها آنفًا؛ محطات مترابطة في وعي الطفل. وفي المسافة بين موضع النشأة: العقيق: المكان الجزئي، وبين المدينة المنورة: المكان الإطاري؛ تشكَّل وعيه المبكِّر بالمكان والحركة والناس.
وقد ربطت دراسة الدكتورة منى المديهش؛ بين الاقتباسات الشعرية الواردة في السيرة، ووادي العقيق، وبنية عتباته. ولذلك أخذ المكان موقعًا مهمًا في بنية السيرة؛ فهو المشهد الذي ظهرت فيه الأسرة والعمل، والفقر والمرض، واللعب، والكُتَّاب والمدرسة، والحكاية الشعبية، وهي من أهمِّ العناصر التكوينية في بنية النص بصورة عامة. حيث قدَّم الكاتب المدينة المنورة، بواسطة ما عاشه وحفظته ذاكرته عنها، فتجلَّت صورة اجتماعية ذات كثافة تاريخية؛ فالتاريخ يدخل السيرة من أبواب الحياة اليومية، لتصبح المدينة مجموعة من العلاقات البشرية، والعادات، والأعمال، والأمكنة الجزئية، ولم يجعلها خلفية جغرافية محضة للأحداث.
إذا كان العقيق هو المكان الأول، فإنَّ الأم هي الشخصية الأعمق أثرًا في تكوين الذات. ويحتل فصل “كفاح أُمٍّ: فصول اليُتْم” موضعًا تأسيسيًا في السيرة؛ إذ يستعيد الكاتب صورة امرأة واجهت الفقر والمرض، وضيق العيش بعد وفاة الأب، وحملت مسؤولية إعالة أبنائها ورعايتهم، وربطت الكفاح اليومي بمستقبلهم التعليمي.
ويبدأ الفصل من واقعة اليُتْم، ليمتد ويتنامى جاعلًا صورة الأم مركزًا للحياة الأسرية. فقد كان محصول المزرعة محدودًا، وكانت حاجات الأسرة أكبر من مردوده، فتكفَّلت الأم بما تستطيع من أعمال. فكانت تعتني بــ(النعناع الحساوي)، وهو المحصول الرئيس في مزرعة الأسرة، الذي تحمله يوم الجمعة إلى سوق المدينة، مع البيض الذي تنتجه الدجاجات القليلة التي تربيها، وتبيع ما معها في (ساحة باب المصري)، وتشتري بثمنه حاجات البيت، وبعد الفراغ من السوق تقصد المسجد النبوي للصلاة.