المدرسة الأميرية بضباء.. منظومة تراثية

في صمت الرمال، وبين تضاريس الصخر، وجنون التنوع تتحدث المملكة العربية السعودية بلغة التاريخ، وموطن الحضارات المتعاقبة، وشاهد حي >على ولادة الإنسان، وتطور العمران، وتلاقي الثقافات. تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى إعادة تعريف موقعها الحضاري عالميًا كأرض زاخرة بالإرث الإنساني، والمادي والطبيعي، وقد باشرت >الجهات المختصة، كمنظومة الثقافة، في خطوات نوعية للحفاظ على الآثار، وتسجيلها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو)، لتصبح هذه >المواقع رواة لقصة وطن لم ينقطع عن التاريخ. تتربع منطقة تبوك في أقصى شمال غرب المملكة العربية السعودية، حيث يمتد ساحل البحر الأحمر بمياهه الصافية، وتتناثر على امتداد أراضيها شواهد حضارية تعود إلى عصور متعاقبة، من نقوش ثمودية ولحيانية ونبطية محفورة على الصخور، إلى قلاع عثمانية شيدت لحماية طرق التجارة والحج، وصولاً إلى معالم من العصر السعودي الحديث توثق مسيرة التأسيس والبناء. وتعد محافظة ضباء، الواقعة على الساحل الشمالي الغربي لمنطقة تبوك، من أبرز محافظات هذه المنطقة زخراً بالمواقع الأثرية والتراثية، إذ عرفت قديماً بموقعها الاستراتيجي الذي أمن حركة التجارة بين ضباء والموانئ المصرية منذ أواخر العهد العثماني. وتحتضن محافظة ضباء اليوم منظومة متكاملة من المعالم التراثية المسجلة رسمياً لدى هيئة التراث، أبرزها قلعة الملك عبد العزيز التي تتوسط وسط ضباء التاريخي، وإلى جانبها شواهد من آثار وادي ضباء التي تضم نقوشاً كوفية تعود إلى القرنين الثاني والثالث الهجريين. وفي هذا النسيج التراثي العريق، تبرز المدرسة الأميرية بوصفها شاهداً فريداً من نوعه، لا على العمارة القديمة فحسب، بل على مسيرة التعليم النظامي في هذه البقعة من الوطن، ولحظة تأسيسية غيرت مستقبل أجيال كاملة من أبناء ضباء ومنطقة تبوك بأكملها. وتعد المدرسة الأميرية أول مدرسة أميرية أنشئت في منطقة تبوك، وقد بنيت عام 1344هـ من الحجر الجيري، وتتكون من ست حجرات متقاربة، وتقع في الوسط التاريخي لمحافظة ضباء، مجاورة لقلعة الملك عبد العزيز، لتشكل مع القلعة والوسط التاريخي المحيط بها منظومة تراثية متكاملة تروي قصة نشأة هذه المحافظة الساحلية العريقة. اسم يليق بالريادة بدأ التعليم النظامي في منطقة تبوك مطلع عام 1344هـ الموافق 1925م، حين افتتحت أول ثلاث مدارس في المنطقة، في كل من محافظات ضباء والوجه وأملج، وحملت جميعها اسم المدارس الأميرية. وتأتي المدرسة الأميرية بضباء في مقدمة هذه المدارس الرائدة، بوصفها من أوائل الصروح التعليمية النظامية التي عرفتها منطقة تبوك بأكملها، قبل أن تنطلق لاحقاً مسيرة التعليم النظامي في مدينة تبوك نفسها مع تأسيس المدرسة السعودية عام 1366هـ بتوجيه من الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود. وبهذا، تحمل هذه المدرسة شرف الريادة التعليمية في منطقة كانت لا تزال في بداياتها الأولى من التأسيس والبناء. في ظل القلعة تقع المدرسة الأميرية في البرج الجنوبي الغربي لقلعة الملك عبد العزيز بمحافظة ضباء، في موقع يحمل دلالة رمزية عميقة تجمع بين الحصن الذي يمثل سلطة الدولة الناشئة، والمدرسة التي تمثل نهضتها المعرفية. ويقوم هذا الموقع، الذي أقيم في بداية عهد الملك عبد العزيز، ضمن الوسط التاريخي لمحافظة ضباء، ليكون جزءاً من نسيج عمراني متكامل يضم القلعة والمدرسة والأحياء القديمة المحيطة بهما، في صورة مصغرة لمسيرة الدولة السعودية الحديثة في أحد أهم موانئها الساحلية على البحر الأحمر. ست حجرات لعلم جديد شيدت المدرسة الأميرية من الحجر الجيري المتوفر في بيئة ضباء الساحلية، وتتكون من ست حجرات متقاربة، يضمها مبنى صغير في داخله ممر يصل بين الحجرات، ثلاث منها من كل جانب. وعلى الرغم من بساطة هذا التصميم المعماري، فإنه عكس فهماً وظيفياً دقيقاً لاحتياجات التعليم النظامي في تلك الحقبة المبكرة، إذ وفر مساحات كافية لاستيعاب الطلاب وتقسيمهم وفق مراحلهم الدراسية، في نموذج معماري تعليمي بسيط لكنه محكم، جمع بين متانة البناء الحجري وملاءمته لمناخ المنطقة الساحلي. شاهد عاش الذكرى من أبرز الشهادات الحية على تاريخ هذه المدرسة، ما رواه الشيخ يوسف حمزة البوق، أحد سكان محافظة ضباء الذين درسوا فيها، إذ التحق بالمدرسة الأميرية وتخرج منها عام 1364هـ حاملاً شهادة الصف الخامس، وكانت في ذلك الوقت أعلى مؤهل تعليمي يمكن الحصول عليه. وتحمل هذه الشهادة الشخصية قيمة توثيقية بالغة الأهمية، إذ تنقل للأجيال اللاحقة تفاصيل حية عن نظام التعليم في تلك الفترة المبكرة من عمر المدرسة، وتؤكد أن هذا الصرح التعليمي الصغير في مساحته كان كبيراً في أثره، إذ خرج أجيالاً من أبناء ضباء الذين حملوا لاحقاً مشعل التعليم والمعرفة في منطقتهم. إرث مسجل رسمياً حظيت المدرسة الأميرية بمكانة رسمية ضمن منظومة التراث العمراني في منطقة تبوك، إذ سجلتها هيئة التراث ضمن قائمة ضمت 37 موقعاً تراثياً عمرانياً في المنطقة، إلى جانب قلعة الملك عبد العزيز بضباء والوسط التاريخي للمحافظة، وذلك ضمن جهود توثيق وحصر المواقع التراثية العمرانية في مختلف مناطق المملكة. ويأتي هذا التسجيل الرسمي تأكيداً على القيمة التاريخية والمعمارية لهذا الصرح التعليمي العريق، وضماناً لاستمرار حمايته والحفاظ عليه بوصفه جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية لمنطقة تبوك. ختاماً.. تبقى المدرسة الأميرية بضباء شاهدة حجرية على لحظة فارقة في تاريخ التعليم بمنطقة تبوك، حين انطلقت من ست حجرات متقاربة، في ظل قلعة الملك عبد العزيز، مسيرة معرفية غيرت وجه هذه المحافظة الساحلية إلى الأبد. من ريادتها بوصفها أول مدرسة أميرية في المنطقة، إلى موقعها الرمزي المجاور للقلعة، إلى تسجيلها الرسمي ضمن المواقع التراثية المحمية، تختصر هذه المدرسة الصغيرة في مساحتها، الكبيرة في قيمتها، قصة وطن آمن بالعلم منذ لحظاته التأسيسية الأولى، ليبقى هذا الصرح شاهداً يستحضره كل جيل جديد، تذكيرًا بأن بناء الأوطان يبدأ دائماً من حجرة صف صغيرة. رياض عبدالله الحريري