في ظل تصاعد التوترات الأمنية والعسكرية في المنطقة، ودخول الصراع المرتبط بإيران مرحلة أكثر تعقيداً، تبرز «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان باعتبارها أحد التطورات التي قد تترك تداعيات مهمة على خريطة الأمن الإقليمي، ولا سيما مع انتقال الاتفاق من إطار الالتزام السياسي إلى خطوات عملية تتعلق بالتنسيق الدفاعي والقدرات العسكرية والانتشار السريع.
وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة في ضوء البيان المشترك الصادر في 5 أكتوبر، وما تضمنه من توجه نحو ترجمة الالتزامات الدفاعية إلى إجراءات عملية، بالتزامن مع تعيين الفريق المتقاعد نعمان محمود أول أمين عام للتحالف، بما يعكس توجهاً نحو بناء هيكل مؤسسي أكثر فاعلية للاتفاقية.
وفي ظل موقع باكستان الجغرافي وعلاقاتها الاستراتيجية مع كل من السعودية وتركيا، إلى جانب حدودها المشتركة مع إيران وقنوات التواصل الدبلوماسي القائمة معها، تبدو إسلام آباد أمام معادلة دقيقة تجمع بين الالتزام بالدفاع الجماعي عن المملكة والحفاظ على قنوات الحوار لمنع اتساع رقعة الصراع.
وفي هذا السياق، يسلط الدكتور وقاص محمود، المحلل السياسي الباكستاني ومحاضر الإعلام بجامعة جيفت غوجرانوالا الباكستانية، في حواره مع «صدى البلد»، الضوء على دلالات تفعيل اتفاقية مكة، وانعكاساتها على موازين الأمن الإقليمي، ودور السعودية وتركيا وباكستان في المرحلة المقبلة، فضلاً عن قدرة إسلام آباد على الموازنة بين التزاماتها الدفاعية تجاه الرياض ومساعيها لاحتواء التصعيد مع إيران.
كيف تقيّم تفعيل "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان؟
تُعد اتفاقية مكة للدفاع المشترك تطوراً هاماً، ليس فقط بالنسبة للمملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، بل ربما للعالم الإسلامي الأوسع وللهيكل الأمني الإقليمي أيضاً. ويكتسب البيان المشترك الصادر في 5 أكتوبر أهمية خاصة؛ لأنه ينقل الاتفاقية من مجرد التزام سياسي إلى حيز التنفيذ العملي، لا سيما فيما يتعلق بتعزيز القدرات الدفاعية للمملكة وحماية سيادتها والمقدسات الدينية.
كما يعكس تعيين الفريق (المتقاعد) نعمان محمود كأول أمين عام للتحالف الدور الهام الذي تلعبه باكستان في الجوانب المؤسسية والعملية لتنفيذ الاتفاقية.
وستعتمد الأهمية الحقيقية للاتفاقية على الآليات العملية للتنسيق العسكري، والانتشار السريع، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وقابلية العمل المشترك بين القوات. وبالنظر إلى البيئة الأمنية الراهنة، يبدو أن الهدف المباشر للاتفاقية يتمثل في تعزيز القدرات الدفاعية للمملكة وقدراتها الردعية، وليس إنشاء تكتل عسكري هجومي.
ماذا يعني هذا التحول من إطار سياسي إلى ترتيبات عسكرية وأمنية عملية بالنسبة لديناميكيات الأمن الإقليمي، لا سيما في ظل التصعيد الحالي في المنطقة والحرب المستمرة التي تشمل إيران؟
قد يكون لهذه الاتفاقية تأثير كبير على ديناميكيات الأمن الإقليمي. فقد لعبت باكستان بالفعل دوراً ميسراً ووسيطاً في الجهود الرامية إلى تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وحظي تحركها الدبلوماسي بتقدير الأطراف المعنية.
تتشارك باكستان الحدود مع إيران، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات استراتيجية ودفاعية راسخة مع المملكة العربية السعودية. ومن ثم، تقع على عاتق إسلام أباد مسؤولية مزدوجة: الوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه المملكة، مع ضمان ألا تؤدي الاتفاقية إلى مزيد من التصعيد مع إيران.
أعتقد أن دور باكستان يمكن أن يكون محورياً في الحفاظ على هذا التوازن؛ فاتفاقية مكة ذات طابع دفاعي، وقد صرحت باكستان بوضوح بأنها ليست موجهة ضد أي دولة. وفي الوقت ذاته، حافظت باكستان على قنوات دبلوماسية مع إيران وواصلت الدعوة إلى الحوار وتهدئة الأوضاع.
وبناءً على ذلك، من المرجح أن يظل نهج باكستان قائماً على مسارين متوازيين: الدفاع الجماعي الموثوق من جهة، والدبلوماسية من جهة أخرى. يمكن لهذا النهج المتوازن أن يضمن تعزيز الاتفاق لأمن المملكة العربية السعودية وقدراتها على الردع الإقليمي، دون أن يتحول إلى عاملٍ مُؤجِّج لمواجهة أوسع نطاقاً مع إيران.
كيف يمكن أن يؤثر هذا الاتفاق على الحسابات الأمنية للدول الثلاث، وما هو الدور الذي قد يلعبه في معالجة التداعيات الإقليمية الأوسع للصراع مع إيران؟
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، يوفر الاتفاق عمقاً استراتيجياً أكبر من خلال إضافة القدرات العسكرية والدعم القادمين من باكستان وتركيا إلى قدراتها الدفاعية الذاتية.
أما بالنسبة لتركيا، فيعزز الاتفاق دورها كفاعل أمني إقليمي مهم، ويُعمِّق علاقاتها الدفاعية المؤسسية مع كل من السعودية وباكستان.
وبالنسبة لباكستان، فإن المعادلة أكثر دقة وحساسية؛ إذ يتعين على إسلام أباد الوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه السعودية، مع حماية مصالحها الخاصة المتعلقة بالسلام والاستقرار على طول حدودها مع إيران في الوقت ذاته.
وعليه، تتمتع باكستان بموقع فريد؛ فهي تحافظ على علاقات وثيقة مع السعودية وتركيا، وفي الوقت نفسه تحافظ على تواصل دبلوماسي مع إيران. ورغم أن الاتفاق يمكن أن يعزز الردع الإقليمي، إلا أن الدور الأوسع لباكستان ينبغي أن يتمثل أيضاً في إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة والمساعدة في الحيلولة دون تحول الصراع الحالي إلى مواجهة إقليمية أوسع.