ADVERTISEMENT

المجتمع الذي يتآكل!

AL RIYADH
May 8, 2026

لا يوجد شيء اسمه المجتمع، وإنما هناك أفراد من الرجال والنساء، وهناك عائلات. هذا الاقتباس يُنسب إلى مارغريت تاتشر، حيث اتسمت فترة رئاستها بإعادة قولبة وتموضع ملفات اقتصادية شتى -متأثرة بإقتصاد رأس المال – كسياسة السوق الحر وخصخصة مرافق الدولة وبيعها إلى الشركات الخاصة داخل بريطانيا. ومن نافل القول اعتبار أن التغيرات الاقتصادية تنعكس اَثارها غالبًأ على المجتمع بشكل متزامن. أدلت تاتشر في أحد لقائتها بتلك العبارة، الأمر الذي أدى إلى انقسام الرأي ما بين معارض ومؤيد، وطفو جدلية الفردية والجمعية على السطح، حيث يمكننا القول إن العصر الراهن يشهد تذبذبًا في مفهوم المجتمع مقابل ترسيخ متزايد للفردية. من المسلّمات التي رافقت الإنسان منذ القدم أنه كائن اجتماعي يعيش ضمن جماعة، يؤثر فيها ويتأثر بها. ويظهر ذلك في أشكال التضامن الجماعي، مثل القبيلة أو القرية، وهو ما عبّر عنه ابن خلدون بمفهوم “العصبية” في تحليله للعمران البشري. ومع تطور المجتمعات الحديثة، ظهرت أشكال مختلفة من الانتماء الجماعي، بعضها اتخذ طابعًا متطرفًا، كما في الأيديولوجيات القومية المتشددة مثل النازية، التي تبنّت أفكارًا عنصرية كفكرة تفوق العرق الآري، وكانت عاملا مسهما في إشعال الحرب العالمية الثانية، دون أن يكون ذلك امتدادًا مباشرًا لمفهوم العصبية التقليدي. لهذا، ترسخت فكرة المجتمع في ذهنية الإنسان، وضربت أوتادها في عقليته، فيما يمكن تسميته بـ“العقلية الجمعية” (Collectivism)، حيث يُفرض السلوك والاعتقاد، بل وحتى طريقة التفكير، من المجتمع على الفرد، وقد تُسلب إرادته إن خالف الجماعة. ظلّ هذا الحال سائدًا إلى أن ظهرت مفاهيم اقتصادية جديدة، كالرأسمالية التي تعود جذورها إلى القرن السابع عشر الميلادي، حيث عززت دور الفرد بوصفه فاعلًا اقتصاديًا مستقلًا يسعى لتحقيق مصلحته الخاصة ضمن السوق. وقد أسهم هذا التحول في ترسيخ الفردانية (Individualism)، التي ازدادت حضورًا مقارنة بالنزعة الجماعية التي سادت معظم مراحل التاريخ البشري، دون أن تلغيها بالكامل. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا اعتُبر طرح تاتشر جدليًا إلى هذا الحد؟ يفرض واقع العالم اليوم نفسه؛ إذ إن اقتصاد رأس المال هو النظام الأكثر شيوعًا، لكنه لا يخلو من مفارقة تجمع بين المنافع والمساوئ. فمن جهة، يوفر بيئة خصبة للإبداع والابتكار، وقد عُبر عن ذلك بقولهم: “الحاجة أم الاختراع”، حيث يدفع ،الشعور بالحاجة، الإنسان إلى حالة من السعي المستمر لتحسين معيشته، فينأى بنفسه عن الاتكالية، ويصبح أكثر تحمّلًا للمسؤولية وهو ما ينسجم مع جوهر طرح تاتشر. كما أن تقليص دور الدولة بوصفها العائل الرئيسي يحد من حالة التكاسل التي قد تنشأ عندما تُعلّق الإخفاقات على شماعة المجتمع، في حين تدفع السوق الحرة نحو مزيد من التنافسية، وهو ما ينعكس إيجابًا على نمو الاقتصاد وازدهاره في بيئة لا تقبل إلا القادر على المواكبة والتطور. في المقابل، فإن هذا الطرح قد يُفضي إلى إغفال جانب جوهري من الإنسان، وهو كونه كائنًا اجتماعيًا بطبعه. فعندما تُهمّش فكرة المجتمع لصالح الفرد الخالص، تبرز إشكاليات كالتفكك الأسري، وضعف رعاية المسنين، وانخفاض معدلات الولادة، فضلًا عن تراجع قيم إنسانية كالتكافل وإعانة الضعيف، وطغيان المعايير المادية على حساب المعاني المعنوية. ومن هنا، فإن برّ الأمان الذي يسعى إليه إنسان العصر يكمن في تحقيق توازن دقيق: فردية تحفّز الإبداع وتنبذ التكاسل، ومجتمع يحفظ المعنى الإنساني ويحدّ من أنانية الأفراد. ولا سيما أن مجتمعات الشرق لا تزال أقرب إلى التمسك بالعقلية الجمعية، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل ستنجح مجتمعات الشرق في بلوغ هذا الاتزان؟

شارك هذا المقال

اقرأ المقال كاملاً على المصدر

مقالات ذات صلة

الوحدة يصعد إلى دوري الأولى للطائرة
صعد فريق الكرة الطائرة بنادي الوحدة إلى دوري أندية الدرجة الأولى، عقب فوزه على نظيره الزيتون بثلاثة أشواط دون مقابل، في اللقاء الذي جمعهما ضمن منافسات التأهل.وظهر لاعبو الوحدة بمست...
AL MADINA
May 11, 2026
القادسية يتوج بكأس المملكة المفتوحة للجودو بـ(13) ذهبية
توج فريق القادسية بكأس بطولة المملكة المفتوحة الثالثة للجودو بتحقيق 31 ميدالية متنوعة في مختلف الفئات، بواقع 13 ميدالية ذهبية, و8 فضيات, و10 برونزيات، إلى جانب التتويج بكأس المركز...
AL MADINA
May 11, 2026
ADVERTISEMENT
All Portals 🇱🇧🇦🇪🇪🇬🇸🇦 كل البوابات
آخر الأخبار سياسة إقتصاد وأعمال رأي دولي رياضة ترفيه مجتمع محلي