مع كل موسم للأمطار تتجدد مشاهد الخير والجمال في أودية المملكة وشعابها، وتكتسي الأرض بحلة من الحياة وتتحول مجاري السيول إلى لوحات طبيعية تجذب الأنظار وتستهوي محبي الرحلات والتصوير وتوثيق اللحظات عبر منصات التواصل الاجتماعي، لكن خلف هذا الجمال خطر لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان، فالسيل الذي يراه البعض فرصة لالتقاط صورة استثنائية قد يتحول في لحظات إلى قوة جارفة تختطف الأرواح وتترك خلفها مآسي لا تمحوها الأيام.
إن أخطر ما في المجازفة بالسيول أن بعض الأشخاص يستهينون بقوتها ويقتربون من مجاري الأودية أو يقفون على حوافها أو يحاولون عبورها بمركباتهم، فيما ينشغل آخرون بتصوير اندفاع المياه بحثا عن لقطة مميزة أو مقطع يحقق انتشاراً واسعاً ومشاهدات مرتفعة، وكأن قيمة الصورة أصبحت لدى البعض أهم من قيمة الحياة نفسها، في مشهد يستدعي وقفة جادة أمام هذا السلوك الذي لا يهدد صاحبه وحده بل قد يعرض الآخرين للخطر ويستنزف جهود فرق الإنقاذ في محاولات قد تكون نتائجها مؤلمة.
وليست هذه التحذيرات مبالغة أو تهويلاً فالمآسي التي تكررت في مختلف المناطق هذا العام تقدم الدليل القاطع على أن لحظة استهتار واحدة قد تكون فاصلة بين الحياة والموت.. لقد شهدنا خلال هذا العام حوادث مؤلمة ومميتة راح ضحيتها أشخاص جرفتهم السيول أثناء مجازفتهم بالسير في الأودية أو ملاحقتهم لجريان المياه بهدف التصوير، حوادث أودت بأرواح وأعادت إلى الواجهة خطورة الاستهانة بالسيول رحم الله المتوفين وأسكنهم فسيح جناته وألهم ذويهم الصبر والسلوان.
هذه الحوادث ليست مجرد أخبار عابرة بل جرس إنذار يستوجب أن نتوقف أمامه طويلا وأن تتحول آلام الأسر إلى وعي يحمي الآخرين من تكرار المأساة.
إن المشكلة لا تكمن في حب التصوير أو توثيق الأمطار فهذه هواية مشروعة ومشاهد المطر تستحق أن توثق وتشارك، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الشغف إلى تهور وحين يصبح السعي وراء السبق الرقمي مبرراً لتعريض النفس للخطر، وحين يعتقد أحدهم أن خبرته بالطرق والأودية أو سرعة ابتعاده عن مجرى السيل كفيلة بحمايته من قوة المياه، فالأودية قد تتحول في وقت وجيز إلى مجار شديدة الخطورة وقد تصل إليها سيول من مناطق بعيدة لم تشهد هطولاً مباشراً للأمطار، كما أن قوة اندفاع المياه وما تحمله من صخور وأشجار ومخلفات تجعل تقدير الخطر بالعين وحدها أمراً غير مأمون العواقب.
الأشد خطورة أن بعض هواة التصوير وصناع المحتوى قد يندفعون نحو المواقع الخطرة للحصول على مشهد استثنائي يسبقون به غيرهم، أو يرفعون من خلاله أعداد المشاهدات والمتابعين دون إدراك أن الثواني التي يقضونها في مواجهة السيل قد تكون أثمن ما يملكون، وأن المقطع الذي يطمحون إلى نشره ربما يتحول إلى آخر مشهد في حياتهم.. وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة للجميع فالسبق الحقيقي ليس في الوصول إلى حافة الخطر، بل في امتلاك الوعي الذي يمنع الوصول إليها أصلاً.
إن مسؤولية السنابيين وصناع المحتوى وهواة التصوير لا تقل عن مسؤولية بقية أفراد المجتمع بل إن تأثيرهم الواسع يجعلهم أكثر قدرة على نشر ثقافة السلامة أو تكريس سلوكيات المجازفة، فالمتابعون الذين يشاهدون مقاطعهم قد يقلدون ما يرونه دون تقدير للعواقب ومن هنا فإن الواجب يقتضي ألا تتحول المخاطرة إلى مادة للتفاخر وألا تقدم المجازفة بوصفها شجاعة أو بطولة وألا يكون التنافس على المشاهدات مبرراً لتجاوز تحذيرات الجهات المختصة، فالتأثير الحقيقي لا يقاس بعدد الإعجابات وحدها بل بما يتركه الإنسان من أثر نافع في حياة الآخرين.
ومع ذلك فإن جهود الجهات المختصة والدراسات العلمية والخطط الوقائية مهما بلغت أهميتها تحتاج إلى وعي مجتمعي يساندها ويكمل دورها، فالخطط الوقائية لا تحقق أهدافها كاملة ما لم يلتزم الناس بالتعليمات ويتجنبوا المواقع الخطرة ويبتعدوا عن مجاري السيول وتجمعات المياه، ولا يحاولوا عبور الأودية أثناء جريانها أو الاقتراب منها من أجل التصوير أو التحدي.
وقد أكدت المديرية العامة للدفاع المدني في تحذيراتها المتكررة ضرورة أخذ الحيطة والحذر أثناء هطول الأمطار والابتعاد عن مجاري السيول والأودية وتجمعات المياه وعدم السباحة فيها وعدم المجازفة بعبورها مع الالتزام بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة ومتابعة التنبيهات الجوية الرسمية وهذه التحذيرات ليست إجراءات روتينية يمكن تجاهلها بل رسائل وقائية تستهدف حماية الأرواح والممتلكات وتجنب الحوادث التي قد تنتهي بعواقب مأساوية.
ومع ترقب المزيد من التقلبات الجوية خلال موسم الأمطار فإن المسؤولية تتضاعف على الأسر في توعية أبنائها وعلى المدارس ووسائل الإعلام وصناع المحتوى في نشر ثقافة السلامة، وعلى كل فرد في المجتمع في عدم تشجيع السلوكيات الخطرة أو إعادة تداول المقاطع التي تقدم المجازفة باعتبارها بطولة دون التنبيه إلى عواقبها، كما أن متابعة تنبيهات المركز الوطني للأرصاد والالتزام بتوجيهات الدفاع المدني واجب تفرضه سلامة الإنسان وسلامة من حوله، فالأمطار نعمة عظيمة تستوجب الحمد والشكر وحسن التعامل مع أسبابها ومخاطرها.
إننا بحاجة إلى تغيير ثقافة التعامل مع السيول من ثقافة البحث عن المشهد الأكثر إثارة إلى ثقافة المحافظة على الحياة ومن سباق المشاهدات إلى سباق الوعي ومن التفاخر بالمجازفة إلى الاعتزاز بالمسؤولية، فالأودية ليست أماكن للتحدي والسيول لا تمنح ضمانات للنجاة، واللحظة التي يظن فيها الإنسان أنه يسيطر على الموقف قد تكون هي اللحظة التي يفقد فيها القدرة على العودة.
إن ما شهدته مناطق عدة من حوادث مؤلمة هذا العام يجب ألا يمر كخبر عابر في زحام الأخبار بل يجب أن يبقى جرس إنذار في ضمير كل من يفكر في المجازفة بحياته من أجل صورة أو مقطع أو سبق في منصات التواصل، فخلف كل روح تُزهق أسرة تنكسر وأم تنتظر وأب يتألم وأحبة لا يصدقون أن لحظة واحدة كانت كافية لتغيير حياتهم إلى الأبد.
ويا من تقف على حافة واد من أجل صورة ويا من تطارد مشهد السيل بحثاً عن الشهرة والمشاهدات تذكر أن السيول لا تعرف أسماءنا ولا تمنحنا فرصة أخرى، وأن لحظة تهور قد تحرمك من العودة إلى بيتك ومن احتضان أبنائك ومن سماع أصوات من يحبونك، فلا تجعل هاتفك شاهداً على آخر لحظاتك، ولا تجعل الشهرة العابرة أغلى من حياتك.
إن اللقطة التي تفقد من أجلها حياتك لن تعيدك إلى أهلك، والمقطع الذي تحصد به آلاف المشاهدات قد يتحول إلى ذكرى موجعة لا تفارق أسرتك، وأعظم بطولة يمكنك أن تقدمها لنفسك ولمن يحبونك أن تعود إليها سالماً.
فلنحفظ الأرواح قبل الصور ولنقدم الوعي على الاستعراض ولنلتزم بتحذيرات الدفاع المدني قبل أن تتحول التحذيرات إلى نداءات استغاثة وتتحول مشاهد الأمطار الجميلة إلى مشاهد فراق لا تحتملها القلوب، فكل لقطة يمكن تعويضها وكل مقطع يمكن تصويره من جديد وكل فرصة للشهرة يمكن أن تأتي بغيرها، أما الروح إذا فارقت الحياة فلا تعيدها ملايين المشاهدات ولا يمحو ألم فقدها أي ندم.