المتحف المصري الكبير.. عام من الإبهار وحكاية حضارة تتجدد أمام العالم

على مقربة من أهرامات الجيزة، يقف تمثال الملك رمسيس الثاني شامخا في بهو المتحف المصري الكبير، وكأنه يستقبل العالم ليروي له حكاية حضارة لم يخفت بريقها عبر آلاف السنين، فمن كنوز توت عنخ آمون إلى قاعات العرض والدرج العظيم، تتجسد عظمة المصري القديم في تجربة تمزج سحر التاريخ بحداثة العرض المتحفي؛ ليصبح الحلم الذي بدأ بفكرة قبل أكثر من ثلاثة عقود واقعا يعزز حضور مصر على خريطة السياحة الثقافية العالمية.

ومع حلول الذكرى الأولى لافتتاحه الرسمي، تتجه الأنظار إلى حصاد عامه الأول، وما شهده من إقبال جماهيري، وما حققه من عائد اقتصادي، وما يحمله من طموحات للمرحلة المقبلة.

حصاد العام الأول.. أكثر من 5 ملايين زائر

سجل المتحف المصري الكبير إقبالا متزايدا منذ افتتاحه الرسمي، إذ بلغ عدد زائريه نحو 4 ملايين زائر حتى نهاية أغسطس 2026، وفق بيانات وزارة السياحة والآثار الصادرة عقب اجتماع مجلس إدارة هيئة المتحف في 29 سبتمبر الماضي، قبل أن يتجاوز العدد حاجز الـ 5 ملايين زائر خلال أكتوبر 2026، بحسب تصريحات الدكتور أحمد غنيم الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف، ويعكس هذا النمو المتواصل حجم الاهتمام بالمتحف ومكانته المتنامية بين المقاصد السياحية والثقافية في مصر.

وفيما يتعلق بالإيرادات، أكد غنيم أن إيرادات المتحف خلال عامه الأول غطت تكاليف التشغيل وحققت فائضا، بما يعزز قدرته على مواصلة التشغيل وتطوير خدماته وأنشطته، مشيرا إلى أن المتحف أسهم كذلك في زيادة الحركة السياحية الوافدة إلى القاهرة والجيزة منذ نوفمبر 2025.

وشهدت منظومة الزيارة تطورا تنظيميا، من خلال تطبيق الحجز المسبق بمواعيد زمنية محددة، ثم التحول إلى الحجز الإلكتروني الحصري اعتبارا من الأول من ديسمبر 2025، بما يستهدف تنظيم حركة الدخول وإدارة الكثافات وتيسير تجربة الزائرين.

وقد شهد العام الأول توسعا في دور المتحف باعتباره مركزا للأنشطة الثقافية والتعليمية والفنية، وليس مجرد مساحة لعرض القطع الأثرية؛ إذ اتجهت إدارته إلى تنويع الفعاليات والعروض واستثمار المساحات المختلفة في تقديم تجارب تجذب الجمهور وتمنحه أسبابا متجددة للزيارة.

كما واصل المتحف دوره العلمي من خلال مركز الترميم ومشروعات التعاون مع المؤسسات الدولية، ومن بينها التعاون المصري الياباني في مشروع ترميم وإعادة تجميع مركب الملك خوفو الثانية، حيث تتواصل أعمال ترميم وإعادة تركيب أجزائها داخل متحف مراكب الملك خوفو، مع إتاحة مشاهدة مراحل من العمل أمام الزائرين، في تجربة تجمع بين العرض الأثري والتعرف على أساليب البحث والحفظ والصيانة.

ويعكس هذا التوجه محاولة توسيع مفهوم الزيارة، بحيث لا تقتصر على مشاهدة الآثار، وإنما تمتد إلى التعرف على جهود العلماء والمرممين، والمشاركة في الأنشطة الثقافية والتعليمية، والاستفادة من البرامج الموجهة للأطفال والعائلات.

"الشمس الأبدية".. احتفالات الذكرى الأولى

وتنطلق فعاليات الاحتفال بالذكرى الأولى للافتتاح الرسمي اليوم الأحد، الموافق الأول من نوفمبر 2026، بعرض "الشمس الأبدية" (Eternal Sun)، الذي يعد من أبرز الفعاليات في برنامج الاحتفال، على أن تمتد سلسلة الفعاليات الثقافية والفنية والمجتمعية حتى نهاية العام الجاري.

ويقدم العرض تجربة بصرية وسمعية داخل البهو العظيم للمتحف، تمتد لنحو 35 دقيقة، وتستند فكرته الفنية إلى العلاقة بين المصري القديم والطبيعة ودوراتها المتجددة، من شروق الشمس وغروبها إلى فيضان النيل ومواسم الحصاد، وما ارتبط بها من مفاهيم التجدد والاستمرارية والحياة، ويوظف العرض التصميم المعماري للبهو العظيم؛ ليكون جزءا من الحكاية البصرية، من خلال تقنيات الإسقاط الضوئي على جدرانه وأسطحه المعمارية والإضاءة المتحركة، إلى جانب الموسيقى الحية والسرد القصصي باللغتين العربية والإنجليزية، ليقدم رحلة عبر خمسة آلاف عام من الحضارة المصرية، ويستمر عرضه حتى 30 أبريل 2027، وفقا للموقع الرسمي للمتحف.

ومن المقرر تقديم العرض مرتين يوميا، باستثناء يومي الأربعاء والسبت عقب ساعات الزيارة المعتادة، بما يتيح تقديم تجربة مسائية مختلفة داخل المتحف، على أن تتاح التذاكر من خلال الموقع الرسمي لحجز تذاكر المتحف المصري الكبير.

ولا تقتصر الفعاليات على هذا العرض، إذ شهد البرنامج حفلا للمطربة المصرية العالمية السوبرانو فاطمة سعيد، إلى جانب استضافة فرقة "جالا دي دانزا" (Gala de Danza) العالمية للفنون الاستعراضية، التي تقدم عروضها للمرة الأولى في مصر ومنطقة الشرق الأوسط، في فعالية فنية تمزج بين التراث والفنون الأدائية المعاصرة، وتعزز التواصل والتبادل الثقافي بين الشعوب والأجيال.

تعود البدايات الأولى لمشروع إنشاء المتحف المصري الكبير إلى عام 1992، حين خصصت مساحة تبلغ نحو 117 فدانا بالقرب من أهرامات الجيزة لإقامة متحف حديث يستوعب جانبا كبيرا من كنوز الحضارة المصرية القديمة، ويقدمها بصورة تليق بمكانة مصر التاريخية، مع توفير مساحات عرض وتجهيزات علمية وتقنية حديثة.

وفي عام 2002، وُضع حجر الأساس للمشروع بالقرب من أهرامات الجيزة، ليبدأ تنفيذ أحد أضخم المشروعات الثقافية والأثرية في مصر، واختير الموقع ليكون حلقة وصل بين المتحف والمنطقة الأثرية المحيطة، بما يمنح الزائر فرصة الجمع بين زيارة المتحف والأهرامات في تجربة سياحية واحدة.

وشهد عام 2003 خطوة محورية بإعلان نتيجة المسابقة المعمارية الدولية التي فاز بها تصميم شركة "هينيجان بنج" الأيرلندية (Heneghan Peng Architects)، وهو تصميم استلهم فكرته من أشعة الشمس الممتدة من قمم الأهرامات الثلاثة، والتي تلتقي عند كتلة المتحف في تكوين معماري يعكس الارتباط بين الصرح ومحيطه التاريخي.

وبدأت أعمال إنشاء المشروع في مايو 2005، لتدخل الفكرة مرحلة التنفيذ، وسط تحديات هندسية وفنية ولوجستية ارتبطت بضخامة المشروع وطبيعة المقتنيات الأثرية التي سيضمها، وما تتطلبه من نظم دقيقة للحفظ والتأمين والعرض.

لم تقتصر مراحل تنفيذ المتحف على تشييد المبنى، وإنما امتدت إلى إنشاء منظومة متكاملة لحفظ الآثار وترميمها وإعدادها للعرض.. ففي عام 2006 بدأ إنشاء مركز الترميم، الذي افتتح عام 2010؛ ليصبح أحد المكونات العلمية الأساسية للمشروع، ويضم معامل متخصصة للتعامل مع مختلف أنواع المواد الأثرية، وفق أساليب علمية حديثة.

واستمر تطوير البنية التحتية والخدمات والمنظومة الرقمية، إلى جانب أعمال نقل القطع الأثرية وتجهيز قاعات العرض.. وفي عام 2018، استقبل البهو العظيم تمثال الملك رمسيس الثاني، ليكون أول قطعة أثرية تستقر في المتحف، في خطوة مثلت انتقال المشروع إلى مرحلة جديدة من التجهيز الفعلي.

وشهد عام 2020 وصول نسبة إنجاز أعمال البناء إلى نحو 97%، ثم استمر استكمال التجهيزات الفنية والتكنولوجية وصولا إلى الافتتاح الجزئي لبعض مكونات المتحف؛ إذ افتتح الدرج العظيم أمام الزائرين عام 2023، تلاه الافتتاح الجزئي للقاعات الرئيسية عام 2024، قبل أن يكتمل الاستعداد للافتتاح الرسمي الشامل في نوفمبر 2025.