يُلاحَظ في الأساليب العربية الحديثة تراجع استعمال صيغة المبني للمجهول أو ندرتها، وبخاصة في الكتابة، لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا. ومعلوم أن المبني للمجهول يُوظَّف لأغراض بلاغية وأسلوبية كثيرة، منها: الإيجاز بحذف الفاعل، وإخفاؤه خوفًا منه أو عليه، والجهل به، وكثرة القائمين بالفعل. كما قد يُحذف الفاعل طلبًا للتواضع أو الحياد إذا كان الكاتب هو الفاعل. وقد يكون الهدف من استعمال هذه الصيغة مريبًا أحيانًا؛ إذ تصبح قناعًا لاختلاق فعل لم يحدث أصلًا، كما يتضح في عبارات من مثل: «قيل»، و«زُعم»، و«يُقال»… إلى آخره.
وقد كتبت قبل أيام قليلة تغريدة قصيرة في منصة «إكس»، نصها بعد تهذيبها: «إن توظيف صيغة المبني للمجهول في السيرة الذاتية قادر، في بعض الأحيان، على حل بعض إشكالاتها، لكنه -للأسف- نادرًا ما يُستعمل!».
يهمنا في هذا المقال أن نبيّن بعض الجوانب الإيجابية التي يمكن أن تتحقق في السيرة الذاتية حين يوظف كاتبها صيغة المبني للمجهول، إن هو وظّفها باقتصاد ووعي؛ إذ تمكّنه من سرد بعض الأحداث التي قد يتردد في روايتها، على الرغم مما قد يبدو للبعض من تناقض ذلك مع ما يقتضيه منطق السيرة الذاتية من صراحة واعتراف وبوح.
وقد يجد كاتب السيرة الذاتية في المبني للمجهول وسيلةً للاعتراف بالعجز والفشل في بعض تجاربه الحياتية التي يشق عليه عادةً الاعتراف بها مباشرة؛ ولذلك قد يرى أن من الأفضل والأسلم له تجاوزها أو حذفها وعدم سردها في سيرته. ولا شك أن هذا الحذف قد يفقر السيرة، ويسبب نقصًا واضحًا فيها، ويثير بعض الشكوك في مصداقيتها لدى القراء.
فبعض كتّاب السيرة الذاتية، على سبيل المثال، قد يجد مشقةً في الاعتراف بإخفاقه في امتحان إحدى مراحله العلمية، كأن يقول: «دخلت امتحان البكالوريوس وأخفقت فيه»، لكنه قد يشير إلى هذه الحادثة بأسلوب ملطّف يجعل اعترافه أقل قسوةً عليه، فيقول: «لم أُوفَّق في امتحان البكالوريوس هذا العام». وقِس على ذلك بقية الإخفاقات.
ومن العقبات الأخرى التي قد تقف في طريق سرد بعض أحداث حياة الكاتب وتجاربه ارتباطُ هذه الأحداث بأشخاص مقرّبين منه؛ مما يجعله يتردد في سردها، وقد يحول أحيانًا دون ذلك. وهنا يمكن أن تكون صيغة المبني للمجهول وسيلةً لتجاوز هذه الإشكالية؛ فعوضًا عن قوله: «دفعني حبي لأخي – أو لأي قريب آخر – إلى إخفاء بعض المعلومات المهمة في هذه القضية»، يمكنه أن يقول: «دُفعت إلى إخفاء بعض المعلومات المهمة في هذه القضية».
وينطبق ذلك أيضًا على تعمّد إخفاء الفاعلين الذين قد يُخشى منهم أو من ردود أفعالهم؛ فعوضًا عن قوله: «لقد تخلّى عني أقرب الأقربين في هذه المحنة»، يمكنه أن يقول: «لقد تُخلِّي عني في هذه المحنة».
وقد تُوظَّف هذه الصيغة للتخفيف من حدة الجرم أو الخطأ الذي وقع فيه الكاتب؛ فعوضًا عن قوله: «لقد فشلت في إنقاذ حياة والدي»، يمكنه أن يقول: «لم يُنقذ مَن كان يجب إنقاذ حياته». فهو هنا يعترف بالقصور، لكنه يوزع الألم ولا يحمله وحده.
ومن وظائف المبني للمجهول كذلك تخفيف وطأة الفعل المشين الذي ارتكبه الكاتب، بطريقة تجعل سرده محتملًا أو ممكنًا عوضًا عن حذفه. فإذا خان الكاتب صديقه، استطاع أن يقول مثلًا: «خنت الثقة التي مُنحتُ إياها»، عوضًا عن قوله: «خنت صديقي».
وينبغي أن ندرك أن المبني للمجهول قد لا يخفي الفاعل تمامًا عن القارئ، بل قد يكشفه بطريقة أخرى غير مباشرة. فعندما يقول الكاتب: «لقد وُرِّطت في هذه القضية»، فإنه يقدّم نفسه بوصفه ضحيةً، ومن هنا نستطيع إدراك ضعفه أو موقفه من الحدث.
وعلى الرغم من الإيجابيات التي ذكرناها، وغيرها مما لم نذكره، فإن الإفراط في توظيف المبني للمجهول في السيرة الذاتية قد يؤدي إلى فقدان صوت الكاتب أو السارد، أو إضعافه، وهو ما لا يتوافق مع طبيعة جنس أدبي يُفترض أن يكون هدفه الرئيس وسبب وجوده التعبير عن ذات الكاتب وتجاربه الحياتية بصوت واضح وقوي وصريح ومسموع.
ونختم هذا المقال بالتأكيد أن المبني للمجهول ليس إلا استراتيجية أسلوبية من بين استراتيجيات عديدة، تهدف إلى تخفيف وطأة الاعتراف، وتوفير مسافة تأملية لكاتب السيرة، ويمكنه أن يستخدمها لتجاوز بعض العقبات والإشكالات التي قد تعترض طريقه.
يُلاحَظ في الأساليب العربية الحديثة تراجع استعمال صيغة المبني للمجهول أو ندرتها، وبخاصة في الكتابة، لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا. ومعلوم أن المبني للمجهول يُوظَّف لأغراض بلاغية وأسلوبية كثيرة، منها: الإيجاز بحذف الفاعل، وإخفاؤه خوفًا منه أو عليه، والجهل به، وكثرة القائمين بالفعل. كما قد يُحذف الفاعل طلبًا للتواضع أو الحياد إذا كان الكاتب هو الفاعل. وقد يكون الهدف من استعمال هذه الصيغة مريبًا أحيانًا؛ إذ تصبح قناعًا لاختلاق فعل لم يحدث أصلًا، كما يتضح في عبارات من مثل: «قيل»، و«زُعم»، و«يُقال»… إلى آخره.
وقد كتبت قبل أيام قليلة تغريدة قصيرة في منصة «إكس»، نصها بعد تهذيبها: «إن توظيف صيغة المبني للمجهول في السيرة الذاتية قادر، في بعض الأحيان، على حل بعض إشكالاتها، لكنه -للأسف- نادرًا ما يُستعمل!».
يهمنا في هذا المقال أن نبيّن بعض الجوانب الإيجابية التي يمكن أن تتحقق في السيرة الذاتية حين يوظف كاتبها صيغة المبني للمجهول، إن هو وظّفها باقتصاد ووعي؛ إذ تمكّنه من سرد بعض الأحداث التي قد يتردد في روايتها، على الرغم مما قد يبدو للبعض من تناقض ذلك مع ما يقتضيه منطق السيرة الذاتية من صراحة واعتراف وبوح.
وقد يجد كاتب السيرة الذاتية في المبني للمجهول وسيلةً للاعتراف بالعجز والفشل في بعض تجاربه الحياتية التي يشق عليه عادةً الاعتراف بها مباشرة؛ ولذلك قد يرى أن من الأفضل والأسلم له تجاوزها أو حذفها وعدم سردها في سيرته. ولا شك أن هذا الحذف قد يفقر السيرة، ويسبب نقصًا واضحًا فيها، ويثير بعض الشكوك في مصداقيتها لدى القراء.
فبعض كتّاب السيرة الذاتية، على سبيل المثال، قد يجد مشقةً في الاعتراف بإخفاقه في امتحان إحدى مراحله العلمية، كأن يقول: «دخلت امتحان البكالوريوس وأخفقت فيه»، لكنه قد يشير إلى هذه الحادثة بأسلوب ملطّف يجعل اعترافه أقل قسوةً عليه، فيقول: «لم أُوفَّق في امتحان البكالوريوس هذا العام». وقِس على ذلك بقية الإخفاقات.
ومن العقبات الأخرى التي قد تقف في طريق سرد بعض أحداث حياة الكاتب وتجاربه ارتباطُ هذه الأحداث بأشخاص مقرّبين منه؛ مما يجعله يتردد في سردها، وقد يحول أحيانًا دون ذلك. وهنا يمكن أن تكون صيغة المبني للمجهول وسيلةً لتجاوز هذه الإشكالية؛ فعوضًا عن قوله: «دفعني حبي لأخي – أو لأي قريب آخر – إلى إخفاء بعض المعلومات المهمة في هذه القضية»، يمكنه أن يقول: «دُفعت إلى إخفاء بعض المعلومات المهمة في هذه القضية».
وينطبق ذلك أيضًا على تعمّد إخفاء الفاعلين الذين قد يُخشى منهم أو من ردود أفعالهم؛ فعوضًا عن قوله: «لقد تخلّى عني أقرب الأقربين في هذه المحنة»، يمكنه أن يقول: «لقد تُخلِّي عني في هذه المحنة».
وقد تُوظَّف هذه الصيغة للتخفيف من حدة الجرم أو الخطأ الذي وقع فيه الكاتب؛ فعوضًا عن قوله: «لقد فشلت في إنقاذ حياة والدي»، يمكنه أن يقول: «لم يُنقذ مَن كان يجب إنقاذ حياته». فهو هنا يعترف بالقصور، لكنه يوزع الألم ولا يحمله وحده.