الماضي.. فرصُ الحاضر
ثمة توافق عام ورهان كاسب من كل أطياف المجتمع السعودي على اختلاف مستوياتهم الثقافية وتبايناتهم الاجتماعية، ذاك التوافق والرهان هو على قوة الماضي وحضوره الثقافي، ففي استعادتنا للماضي أبعاد أخرى مختلفة نحو إبراز الهوية وتكريس للشخصية وتعزيز للتواصل الإنساني، فضلا عن جوانب متعددة، وذلك من خلال تجربة فريدة عاشها الإنسان السعودي في أرض الجزيرة العربية، بل أن الماضي في خططنا المستقبلية سوف يشكل رافدا اقتصاديا وسيكون له حضوره المختلف في الأروقة الدولية وسيكون مُلهما كما كان شعار السدو حين رَفّ بملامحه الجملية وأشكاله الهندسية البديعة كشعار لمنظمة العشرين حين استضافتها السعودية عام «2020»، فالماضي لا يستكين لقوالب الإجابات الجاهزة التي تضعنا في دائرة الخدر الفكري والكسل الذهني، بل إن الماضي يجعلنا نقف أمام مرآة تعكس واقع مشرق ومشرّف في آن واحد، الأمر الذي يحتاج منا إلى مزيد من القراءة المتأنية في صفوف مراحله، لسبر أغوار عمقه والوصول إلى حقيقة أبعاده وزواياه المتوارية عن النظر السطحي، وكذا عن عفوية التلقي الباهت الذي لا يخرج عنه معرفة ولا يتبدى له رأي ولا يتمخض عنه فكرة. إن استعادة الماضي الذي يشكل منطلقا ثقافيا وحضاريا لكل مجتمعنا السعودي، حيث كانت النواة الأولى والشرارة التي أوقدت الفتيل حين انطلاق الرؤية المباركة في مبادرة ذكية وغير مسبوقة من سمو سيدي الأمير محمد بن سلمان ـ يحفظه الله ـ التي امتدت بشكل إشعاعي لكل الجوانب الثقافية في كل أرجاء الوطن، عند ذلك لم يُستدع الماضي للحنين والذكرى أو حتى للتسلية والترفيه، فالماضي هو فرص ثمينة في الحاضر ونهدف من خلاله إلى أبعد من ذلك نحو توظيفه لكل المستقبل ومن متواليات الماضي إنه هو الأرضية الصلبة التي ننطلق منها، وهو الذي شكل الخرائط الأولى لحياة الأسلاف، وجملةُ معارفهم وقيمهم النبيلة، وهذا التنوع لاشك يكتنز الكثير مما يستحق أن يكون اليوم في دائرة الضوء وضمن مشهدنا الثقافي، فقد اتسع الماضي بمساحة واسعة لكل العادات والتقاليد، والماضي هو شخصيات يجب أن تكون خالدة في ذاكرة المجتمع، وأمكنة زاخرة بعطاء الإنسان، وتلك التجارب التي عاشها الأسلاف في غمار الحياة بشدائدها يوم بدينا واليوم بات من المؤكد أن من بين فرص الحاضر أصالة الماضي وشذى عبقه الفواح، تلك المعاني هي اليوم التي توفر مساحة من الوعي الفكري والمعرفي، وتزيد مساحة الخيارات مسافة نحو الفن بعمومه والأدب بفنونه، وحتى أننا نجد في الماضي لوحة مشرقة للبرامج الحوارية والندوات الفكرية المتشحة بخلفيات زاهية كقصر المصمك وقصر المربع وأروقة مباني الدرعية التي تنحى نحو إجابات البقاء والامتداد والتعاقب ووصفٌ للتاريخ ورمزٌ للبطولة، وحين نفيض بمشاعر إيجابية سوف تظهر في حلة جديدة، ومنها تجود قريحة الشاعر ويتقن الفنان لوحته، ويسكب القلم بديع قوله وجميل عباراته، ويبدع صوت آخر من الإعلام، كذلك ينتقل الماضي إلى وقوع من إيقاع الحياة المختلفة، حيث يتحول الحاضر إلى علاقات متعددة فكرية ونفعية، يحمل روحا متوقدة وخالدة من الماضي، هذا الخيار يحمل معه جميل من الذكريات وكثير من الأحداث وانعكاس لبيئة تفيض بالعراقة والأصالة ومغنية بكل القيم النبيلة والعادات الحميدة، خلاف الخيار الأخر الذي يجعل من الماضي حالة أطلال وبقايا دارسة واندثار وزوال، وبالعقل إلى أي خيار ننتمي؟ سؤال أجاب عنه الواقع وتحدثت عنه الرؤية حين دوى وتعالى صوتها أن كل الماضي فرصٌ للحاضر.