اللواء محمد الغباري يكشف لـ “صدى البلد” أسرار الإعداد لحرب أكتوبر وخطة الخداع الاستراتيجي

لم تكن حرب أكتوبر المجيدة مجرد مواجهة عسكرية عابرة في سجل الحروب، وإنما كانت ملحمة وطنية أعادت لمصر أرضها وكرامتها، وأثبتت أن الهزيمة مهما كانت قسوتها لا تستطيع كسر إرادة الشعوب.

فبعد عدوان يونيو 1967، بدأت مصر رحلة لإعادة بناء قواتها المسلحة واستعادة الثقة، فخاضت حرب الاستنزاف لتؤكد أن الاحتلال ليس قدرا، وأن الأرض التي أُخذت بالقوة لا بد أن تعود بالقوة.

وعلى مدى سنوات، عملت القوات المسلحة المصرية في صمت؛ تدريبا وتسليحا وتخطيطا وإعدادا لمسرح العمليات، بالتوازي مع واحدة من أعقد خطط الخداع الاستراتيجي التي سبقت المعركة، حتى جاءت ساعة الصفر في السادس من أكتوبر عام 1973، فانطلقت القوات المصرية لعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، في مشهد جسد إرادة وطن بأكمله.

وبمناسبة الذكرى الـ53 لانتصارات حرب أكتوبر المجيدة، أجرى "صدى البلد" حوارا مع اللواء أركان حرب محمد الغباري، الخبير العسكري والاستراتيجي، للحديث عن كواليس الإعداد للمعركة، وكيف نجحت القوات المسلحة المصرية في إعادة بناء قدراتها، وتطوير عقيدتها القتالية، وإدارة واحدة من أعقد خطط الخداع الاستراتيجي، وصولا إلى لحظة العبور وتحقيق النصر.

وخلال الحوار، استعاد اللواء الغباري ذكريات تلك المرحلة الفارقة من تاريخ مصر، متناولا مراحل الاستعداد للحرب، وتجهيز مسرح العمليات، وعمليات التدريب على العبور، فضلا عن شهادته حول الدور الذي لعبته القيادة المصرية في خداع العدو، وصولا إلى السادس من أكتوبر، اليوم الذي تحولت فيه سنوات الإعداد والتخطيط والتضحيات إلى انتصار عسكري أعاد لمصر أرضها وكرامتها.

قال اللواء محمد الغباري أن الإعداد لحرب أكتوبر بدأ عقب عدوان يونيو 1967، عندما شرعت الدولة المصرية في إعادة ترتيب أوضاعها، ووضع الأسس والمبادئ السياسية والعسكرية السليمة لإعادة تنظيم القوات المسلحة وبنائها على أسس علمية، تمهيدا لخوض معركة شاقة لاستعادة الأرض وتحريرها.

وأوضح أن القيادة العامة للقوات المسلحة عملت على إعادة بناء القوات المسلحة من خلال عدة محاور متكاملة، شملت إعادة التنظيم والهيكلة، وإعادة التسليح، وتجهيز مسرح العمليات، ورفع الكفاءة القتالية، والتدريب على المهام التي ستنفذ خلال الحرب، وفي مقدمتها اقتحام قناة السويس والعبور إلى الضفة الشرقية.

وعلى مستوى الوحدات والتشكيلات، جرى تعديل التنظيم بما يتناسب مع طبيعة المهام القتالية المحددة لكل وحدة، مع دعمها بالأسلحة والتخصصات اللازمة، سواء بضم هذه العناصر إلى صلب التنظيم أو بإلحاقها بصورة دائمة.

دعم وحدات المشاة بعناصر مضادة للدبابات ودفاع جوي

فعلى سبيل المثال، جرى دعم وحدات المشاة بعناصر مضادة للدبابات وعناصر من الدفاع الجوي، كما دعمت الوحدات المشاة والميكانيكية بعناصر من الدبابات والمدفعية والأسلحة المضادة للدبابات. وفي المقابل، دُعمت الوحدات المدرعة بوحدات من المشاة الميكانيكية والأسلحة المعاونة والتخصصية.

إعادة تنظيم تشكيلات المشاة الميكانيكية والمدرعة

كما أعيد تنظيم تشكيلات المشاة الميكانيكية والتشكيلات المدرعة بما يتناسب مع طبيعة المهام المنتظرة، إلى جانب تطوير وحدات المدفعية والدفاع الجوي والأسلحة المتخصصة، لتصبح القوات المسلحة أكثر قدرة على تنفيذ مهامها في معركة تحرير الأرض.

وأوضح أنه على المستوى التعبوي، جرى إلغاء قيادة المنطقة الشرقية، وتشكيل قيادتين تعبويتين جديدتين هما الجيش الثاني الميداني والجيش الثالث الميداني، بحيث أصبح لكل جيش منهما تجميعه القتالي المناسب لتنفيذ المهام المحددة له، سواء المهام الدفاعية أو الهجومية المنتظرة، كما جرى توفير عناصر الدعم اللازمة تحت قيادة كل جيش وفي نطاق مسؤوليته، بما يضمن القدرة على تنفيذ المهام بكفاءة واستقلالية.

وفي الوقت نفسه، تم تشكيل أربع مناطق عسكرية إقليمية، هي المنطقة المركزية العسكرية، والمنطقة الشمالية العسكرية، والمنطقة الغربية العسكرية، والمنطقة الجنوبية العسكرية، لتأمين الاتجاهات المختلفة للدولة وتعزيز منظومة القيادة والسيطرة.

وعلى المستوى الاستراتيجي، تم تشكيل فرع رئيسي جديد من أفرع القوات المسلحة، وهو قيادة قوات الدفاع الجوي، التي أصبحت لها قيادة استراتيجية مستقلة بعد أن كانت تتبع إدارة المدفعية من الناحية التنظيمية، والقوات الجوية في إدارة أعمال القتال، وأصبحت قوات الدفاع الجوي مسؤولة عن تنفيذ مهام الدفاع الجوي عن الدولة، إلى جانب الدفاع الجوي عن التشكيلات البرية، وهو ما مثل نقلة مهمة في بناء منظومة متكاملة للدفاع عن المجال الجوي المصري.

كما تم تشكيل قيادة قوات الدفاع الشعبي، التي تولت مهام الحماية المدنية وتأمين الأهداف الحيوية في المحافظات بالتعاون مع الشرطة المدنية، إلى جانب ذلك، جرى إنشاء وتطوير وحدات فنية وإدارية وطبية على مستوى القيادة العامة، لتوفير الدعم اللازم لأعمال الجيوش والمناطق العسكرية، سواء خلال مراحل الإعداد للحرب أو أثناء العمليات، كما توسعت القوات المسلحة في إنشاء وتطوير المنشآت التعليمية والتدريبية لاستيعاب الزيادة في أعداد وتخصصات المجندين، وفقا لمتطلبات الإدارات التخصصية واحتياجات ميادين التدريب المركزية.

وعن تجهيرز مسرح العمليات بالتزامن مع عملية الحشد والتعبئة، كشف اللواء محمد الغباري أنه جرى حشد خمسة ألوية مشاة ولواءين مدرعين وخمس كتائب صاعقة على طول قناة السويس، وتواصلت عمليات الحشد والتعبئة حتى أصبح النسق الدفاعي الأول ممتدًا بطول نحو 170 كيلومترا، وبعمق 60 كيلومترا، مع إقامة الخط الدفاعي غرب القناة، وفي تلك المرحلة، انصب جهد القيادة المصرية على إعادة بناء القوات المسلحة، ورفع كفاءتها، وتدريبها، وإعادة تسليحها، بما يمكنها من تنفيذ المهام المطلوبة منها، وكان من بين المهام الرئيسية تأمين القوات والمناطق الدفاعية، والاستعداد لدحر العدو ومنعه من تحقيق أهدافه، إلى جانب تنفيذ أعمال التجهيز الهندسي لمسرح العمليات.

فبدأت القوات بحفر ما عُرف بالحفر البرميلية لكل فرد، بهدف توفير الحماية من نيران مدفعية العدو وقصف طائراته، إلى جانب إنشاء تجهيزات الإيواء وتأمين الأسلحة، والخنادق الدفاعية، ومرابض الاشتباك، ومواقع تأمين الأفراد، ومع توافر المواد الهندسية اللازمة وتدفق القوات طبقًا للخطة الدفاعية، استُكملت التجهيزات الهندسية والتحصينات والموانع والألغام المطلوبة، حتى أصبح مسرح العمليات مهيأً لخوض المعركة، كما بدأ إنشاء التجهيزات الميدانية لكتائب الصواريخ ورادارات الإنذار الخاصة بوحدات وتشكيلات قوات الدفاع الجوي، إلى جانب شق الطرق والمدقات الطولية والعرضية التي تخدم حركة القوات.

وكان من أهم هذه الطرق "طريق دمياط – بورسعيد الساحلي"، فضلا عن تنفيذ جميع المتطلبات الخاصة بالقوات الجوية، بما في ذلك تجهيز المطارات والقواعد الجوية، وإنشاء التحصينات والدشم للطائرات، خاصة الطائرات الجديدة، وتطوير الممرات وتجهيز كل ما يلزم لتنفيذ المهام القتالية.