لم تكن حرب أكتوبر المجيدة معركة خاضتها القوات المسلحة المصرية على ضفة قناة السويس وحدها، وإنما كانت حربا شاملة دارت رحاها على أكثر من جبهة، وفي أكثر من اتجاه، شاركت فيها أفرع القوات المسلحة كافة، كل في موقعه، وكل وفق مهمته، لتتكامل حلقات النصر في ملحمة عسكرية ستظل واحدة من أبرز صفحات التاريخ العسكري الحديث.
وفي قلب هذه الملحمة، خاضت البحرية المصرية معركة لا تقل أهمية عن معارك البر والجو، فامتدت يدها إلى البحر الأحمر، وأغلقت أحد أهم الممرات البحرية أمام الملاحة الإسرائيلية، في عملية استراتيجية أربكت حسابات العدو، وحاصرت قدرته على استخدام هذا الطريق الحيوي لنقل الإمدادات وتعزيز قواته.
ومن بين أبطال هذه الملحمة، اللواء بحري أركان حرب أحمد محمد الصادق، الذي عاش تفاصيل تلك السنوات من داخل القوات البحرية، وشهد بنفسه تداعيات عدوان يونيو، ثم شارك في رحلة استعادة الثقة وصولا إلى لحظة النصر في أكتوبر 1973.
في البداية، كشف اللواء أحمد محمد الصادق عن جانب آخر من المواجهة البحرية قبل عدوان 5 يونيو، موضحا أن البحرية المصرية نجحت قبل عدوان يونيو 1967 في القبض على ستة عسكريين إسرائيليين كانوا على متن غواصة بالقرب من ميناء الإسكندرية، لتنفيذ عملية تخريبية تستهدف تدمير المدمرات المصرية.
وأوضح أن تلك الواقعة تؤكد أن الصراع لم يكن وليد لحظة، وأن البحر كان منذ البداية إحدى ساحات المواجهة الخفية، التي دارت فيها عمليات الاستطلاع والتخريب والمراقبة، إلى جانب المواجهة العسكرية المباشرة.
سر استعادة القوات المسلحة ثقتها في نفسها
يتذكر اللواء البحري أركان حرب أحمد محمد الصادق أيام العدوان، قائلا إن الشعب المصري كان سر استعادة القوات المسلحة ثقتها في نفسها مرة أخرى بعد عدوان 5 يونيو 1967، مشيرا إلى أن الهزيمة لم تكن نهاية الطريق، وأن القوات المسلحة المصرية رفضت أن تستسلم لمرارة يونيو، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء القدرات، واستعادة الثقة، والاستعداد لمعركة تحرير الأرض.
وأكد أن الجيش المصري رفض الهزيمة في عام 1967، وخاض ملحمة الاستنزاف ضد قوات العدو، لتتحول سنوات ما بعد النكسة إلى مدرسة حقيقية لإعادة بناء المقاتل المصري وتطوير قدراته، وصولًا إلى حرب أكتوبر.
وشدد بطل حرب أكتوبر أن القوات البحرية لم تنتظر طويلا لتوجه أولى الرسائل إلى العدو، ففي غضون أربعة أشهر فقط من العدوان، نجحت القوات البحرية المصرية في تنفيذ واحدة من أشهر عملياتها، بإغراق المدمرة الإسرائيلية "إيلات"، في ضربة أثبتت أن البحر لم يعد ساحة مفتوحة أمام القوات الإسرائيلية، وأن القوات البحرية المصرية استعادت زمام المبادرة.
"الفاتح".. مهمة إلى باكستان ضمن خطة الخداع الاستراتيجي
وقبل اندلاع حرب أكتوبر، كانت مصر تدير واحدة من أعقد عمليات الخداع الاستراتيجي في تاريخ الحروب الحديثة؛ إذ لم تكن المعركة تدار فقط بالمدافع والطائرات، وإنما كذلك بالمعلومات، والإشارات، والتحركات التي صممت لتضليل أجهزة استخبارات العدو بشأن موعد الحرب واتجاهاتها.
وفي هذا السياق، يروي اللواء البحري أحمد محمد الصادق أن التوجيهات صدرت إلى المدمرة "الفاتح" بالتوجه إلى باكستان لإجراء عمرة للمدمرة، إلا أن ذلك كان في إطار خطة الخداع الاستراتيجي التي سبقت الحرب، وهكذا، كان ما يبدو في ظاهره تحركا روتينيا لإجراء أعمال صيانة، جزءا من مشهد أكبر، استهدف إبقاء العدو في حالة من الغموض، وإخفاء الاستعدادات الحقيقية التي كانت تجري على قدم وساق استعدادًا للساعة الحاسمة.
وبالانتقال إلى حرب أكتوبر، قال اللواء أحمد محمد الصادق أنه كان برتبة رائد بحري أثناء الحرب، حيث كان يعمل ضابط مدفعية المدمرة، كاشفا أن المدمرة أخذت أمر القتال يوم 6 أكتوبر، ومنذ صدور أمر القتال، انتقلت المدمرة من مرحلة الاستعداد والترقب إلى التنفيذ الفعلي للمهام الموكلة إليها، لتبدأ صفحة جديدة من صفحات الحرب، لم تكن أقل أهمية عن معركة العبور على الجبهة الرئيسية.
وأوضح إن إحدى أبرز المهام التي اضطلعت بها القوات البحرية خلال حرب أكتوبر كانت المشاركة في تشكيل بحري تولى إغلاق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية التي تتحكم في حركة الملاحة من وإلى البحر الأحمر، وذلك لخنق خطوط الإمداد الإسرائيلية، وقطع الطريق البحري أمام العدو، وتحويل البحر الأحمر إلى مساحة محكومة بالقوة المصرية.
ويقول اللواء أحمد محمد الصادق إن المدمرة الفاتح كانت ضمن التشكيل البحري الذي أغلق باب المندب خلال حرب أكتوبر، موضحا أن التعليمات كانت واضحة وهي استهداف أي سفينة إسرائيلية تحاول عبور باب المندب في اتجاه البحر الأحمر.
ويكشف اللواء البحري أحمد محمد الصادق عن حجم المهمة التي نفذتها القوات البحرية خلال الحرب، قائلًا: "قمنا بتوقيف 199 سفينة أثناء حرب أكتوبر، وقمنا بإغلاق مضيق باب المندب لمدة ثلاثة أشهر منذ بدء الحرب، في مهمة جسدت أهمية الدور الذي لعبته البحرية المصرية في إدارة المعركة بعيدًا عن ساحات القتال التقليدية".
ويؤكد اللواء البحري أركان حرب أحمد محمد الصادق أن القوات البحرية كان لها دور كبير في حرب أكتوبر، وهو دور لم يكن منفصلا عن مجمل العمليات العسكرية، وإنما جاء ضمن منظومة متكاملة شاركت فيها القوات المسلحة المصرية بكل أفرعها وتخصصاتها.
فبينما كانت القوات البرية تخوض معركة العبور وتحرير الأرض، وكانت القوات الجوية تضرب أهداف العدو وتوفر الغطاء للقوات، كانت القوات البحرية تؤدي مهامها في البحرين المتوسط والأحمر، وتحمي السواحل، وتراقب طرق الملاحة، وتشارك في تأمين الجبهة البحرية، وتغلق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية.