اللغة العربيّة في المدرسة اللّبنانيّة

مشهدٌ يعرفه كثير من معلِّمي العربيّة: تلميذ في المرحلة الثانويّة يُعرب الجملة بلا تردّد، ويحفظ تعريف الاستعارة والكناية، وقد اجتاز امتحانات القواعد بعلامات مقبولة؛ لكنّه حين يُطلب منه أن يكتب فقرة يدافع فيها عن رأي، يحدّق في الورقة طويلًا، ثمّ يكتب أسطرًا متجاورة لا يجمعها خيط. أزمته إذن لا تكمن في الإعراب ولا في الإملاء. لقد تعلّم أشياء كثيرة عن اللّغة، لكنّه لم يمتلكها أداةً يفهم بها ويفكّر ويعبّر. وحين يتكرّر هذا المشهد من صفّ إلى صفّ ومن مدرسة إلى أخرى، لا يعود السؤال محصورًا في حصّة العربيّة؛ إنّه سؤال عن نوع التعلّم الذي نريده، وعن الإنسان الذي تسهم المدرسة في تكوينه.

فاللّغة أكبر من مخزن للمفردات والقواعد، وأبعد من قناة تعبر فيها أفكار جاهزة. بها نسمّي العالم، وننظّم خبرتنا، ونصوغ أسئلتنا، ونقول من نحن. وهي أيضًا من أهمّ حوامل الذاكرة والهويّة الثقافيّة، والهويّة هنا لا تعني جدارًا نحتمي خلفه، وإنّما أرضًا نقف عليها ونحن ننفتح على لغات الآخرين وثقافاتهم.

اللّسان ترجمان العقل

لم تكن هذه الصلة بين اللّسان والعقل غائبة عن التراث العربيّ الإسلاميّ. ففي القرآن الكريم: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، فيقترن فيها البيان بالتعقّل اقترانًا صريحًا. ويُروى عن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في «غرر الحكم ودرر الكلم»: «اللّسان ترجمان العقل»، وهي عبارة كثيفة الدلالة تربويًّا، إذ تجعل الكلام مرآةً لما ينتظم في العقل من معانٍ، وتذكّرنا بأنّ من يتعثّر في التعبير كثيرًا ما يكون قد تعثّر قبل ذلك في ترتيب أفكاره.

ويلتقي ذلك مع نظريّة «النّظم» عند عبد القاهر الجرجاني، الذي رأى أنّ قيمة الكلام لا تأتي من الألفاظ منفردة، بل من العلاقات التي تنتظم بها المعاني. ويلتقي كذلك مع تمييز ابن خلدون في «المقدّمة» بين العلم بقوانين اللّسان وامتلاك ملكته؛ فقد يعرف المتعلِّم القاعدة معرفةً تامّة ولا يقدر على توظيفها في قراءة أو كتابة أو حوار، فالملكة عنده تُكتسب بالمِران الطويل: أن يسمع المتعلِّم كثيرًا، ويقرأ كثيرًا، ويحاكي، ثمّ يجرّب أن ينتج بنفسه.

وفي الفكر الحديث، ومن مرجعيّات متباينة، تعود الفكرة نفسها. فقد بيّن عالم النفس ليف فيغوتسكي أنّ اللّغة التي تبدأ عند الطفل أداةً للتواصل مع الآخرين تتحوّل تدريجيًّا إلى أداة ينظّم بها تفكيره الداخليّ. ويرى نعوم تشومسكي أنّ اللّغة، في جوهر تصميمها، وثيقة الصلة بالفكر، وأنّ التواصل ليس وظيفتها الوحيدة. لا يعني ذلك أنّ الفكر واللّغة شيء واحد، ولا أنّ التراث واللّسانيّات الحديثة يقولان الكلام نفسه؛ غير أنّنا نخرج منه بمبدأ تربويّ بسيط وحاسم: كلّ ما نبنيه من قدرة لغويّة عند المتعلِّم هو بناءٌ لأدوات تفكيره أيضًا.

لغاتٌ عدّة في رأس واحد

تزداد المسألة تعقيدًا في لبنان. فالطفل ينشأ في بيئة لغويّة غنيّة: يتكلّم المحكيّة في البيت والشارع، ويتعلّم القراءة والكتابة بالفصحى، ويدخل الفرنسيّة أو الإنكليزيّة باكرًا، وقد يتلقّى العلوم والرياضيّات بإحداهما. وليس هذا التعدّد خطرًا ينبغي مقاومته؛ فدراسات ثنائيّة اللّغة تشير إلى أنّه قد يكون رأسمالًا معرفيًّا وثقافيًّا ثمينًا. تبدأ المشكلة حين تتوزّع وظائف اللّغات في وعي المتعلِّم توزيعًا ضمنيًّا: العربيّة للأدب والتراث والامتحان، ولغة أخرى للعلم والتكنولوجيا والجامعة والمستقبل. والخسارة هنا أكبر من مهارة ضائعة؛ فالتلميذ يتعلّم، من غير أن يقول له أحد ذلك صراحةً، أنّ لغته لا تصلح للتفكير في العالم الحديث. وقلّما يصيب لغةً ما هو أخطر من أن يقتنع أبناؤها بهذا.

اللّغة التي تبدأ عند الطفل أداةً للتواصل مع الآخرين تتحوّل تدريجيًّا إلى أداة ينظّم بها تفكيره الداخليّ

ويضاف إلى ذلك تحدّي الازدواجيّة داخل العربيّة نفسها. فالطفل لا يكتسب الفصحى كما يكتسب محكيّته، وقد أظهرت بحوث في اكتساب القراءة بالعربيّة، كأعمال الباحثة إلينور صايغ-حدّاد، أنّ المسافة الصوتيّة والمعجميّة بين المحكيّ والفصيح قد تؤثّر في الوعي الصوتيّ وفكّ الرموز في سنوات التعلّم الأولى. لا يدعونا ذلك إلى محاربة المحكيّة، ولا إلى تبسيط الفصحى حتّى تفتقر، وإنّما إلى بناء جسر واعٍ بينهما: أن يسمع الطفل الفصحى ويألفها في الحكاية والأنشودة والحوار، قبل أن يلقاها في القاعدة والخطأ والتصحيح.

أن تعرف اللّغة لا يعني أن تمتلكها

من هنا تبرز واحدة من أكثر قضايا تعليم العربيّة حساسيّة: الخلط بين المعرفة باللّغة والكفاية في استعمالها. قد يحدّد التلميذ المفعول به بدقّة، ثمّ يتعثّر في بناء فقرة مترابطة؛ وقد يستخرج الصورة البيانيّة من دون أن يشرح أثرها في المعنى؛ وقد يحفظ عناصر الحجّة ولا يستطيع أن يبني موقفًا يسنده دليل.

ولا أقصد هنا التقليل من شأن النحو أو الصرف أو البلاغة؛ فهذه مكوّنات لا غنى عنها في الوعي اللّغويّ. المشكلة تبدأ حين تنفصل عن وظيفتها. فالقاعدة تصير معرفةً حيّة حين تساعد المتعلِّم على فهم تركيب معقّد، أو رفع التباس، أو مراجعة نصّ كتبه، أو اختيار عبارة أدقّ. وعندها يُضاف إلى سؤال «ما القاعدة؟» سؤال آخر لا يقلّ عنه أهمّيّة: «كيف تخدم القاعدةُ المعنى؟»

ما لا يصنعه الكتاب المدرسيّ

وينطبق الأمر نفسه على القراءة. فالكتاب المدرسيّ، مهما بلغت جودته، لا يصنع وحده قارئًا. يحتاج المتعلِّم إلى القصّة والسيرة والشعر والمقالة والنصّ العلميّ والصحافة، وإلى وقت يقرأ فيه لأنّه يريد أن يعرف أو يستمتع، لا لأنّ أسئلةً تنتظره في آخر النصّ. وتؤكّد بحوث القراءة الحرّة، ومنها أعمال اللّسانيّ ستيفن كراشن، أنّ هذا النوع من القراءة من أنجع السبل إلى نموّ المعجم وترسيخ التراكيب. ومن يتعامل معها بوصفها ترفًا يُؤجَّل إلى ما بعد إنهاء البرنامج، يحرم التلميذ من البيئة الطبيعيّة التي تنمو فيها ذائقته ومعرفته واستقلاله.

ما نقيسه هو ما نعلّمه

ثمّ يأتي التقويم، وهو أقوى عناصر المنظومة أثرًا في ما يجري داخل الصفّ. فما نمنحه العلامة نعلن، من غير أن نقول، أنّه الجدير بالتعلّم؛ وهذا ما يسمّيه الباحثون «الأثر الارتداديّ» للامتحان. فإذا ظلّ الامتحان يكافئ استرجاع القاعدة والإجابة المتوقّعة أكثر ممّا يكافئ الفهم والاستدلال والحجاج والكتابة الأصيلة، فسيتكيّف التعليم مع ما يقيسه الامتحان، مهما تجدّدت الكتب والوثائق.

لذلك ينبغي أن يتّسع تقويم العربيّة ليسأل: هل يفهم المتعلِّم نصًّا لم يألفه؟ هل يميّز بين الادّعاء والدليل؟ هل يقارن بين موقفين، ويستخلص معنى ضمنيًّا، ويعيد صياغة فكرة، ويكتب لقارئ محدّد ولغرض محدّد؟ تبقى السلامة النحويّة والإملائيّة شرطًا لازمًا، ولكن ضمن كفاية لغويّة وتواصليّة وفكريّة أشمل.

المعلِّم: شريك لا متّهم

وفي قلب هذا كلّه يقف المعلِّم؛ لا متّهمًا بالأزمة، بل شريكًا أساسيًّا في الخروج منها. فالانتقال من تدريس المحتوى إلى بناء الكفايات يحتاج إلى معلِّم يعرف كيف يشخّص تعلّم تلاميذه، ويبني القراءة والكتابة خطوةً خطوة، ويربط القاعدة بالاستعمال، ويستفيد من التقويم التكوينيّ، ولا يرتبك أمام الشاشات وأدوات الذكاء الاصطناعيّ. وأيّ إصلاح لا يمرّ عبر المعلِّم، فهمًا وتكوينًا وممارسة، سيبقى حبرًا على ورق.

ولا تنجح المقاربة بالكفايات لمجرّد أن تحضر كلمة «كفاية» في الوثائق. اختبارها الحقيقيّ هو الاتّساق: أن تنمو قدرات المتعلِّم بتدرّج مدروس من مرحلة إلى أخرى، بلا تكرار عقيم ولا قفز فوق مقدّمات لم تُبنَ، وأن تنسجم نواتج التعلّم والمضامين والموارد وطرائق التعليم وتكوين المعلِّم والامتحانات. فأيّ انفصال بين هذه الحلقات كفيل بأن يعيد إلينا الممارسات القديمة بمصطلحات جديدة.

السؤال الذي يستحقّ أن نطرحه

لعلّ السؤال الأجدى لم يعد: «كم موضوعًا تعلّم الطالب في العربيّة؟» بل: «ماذا صار قادرًا على أن يفعل بالعربيّة؟»

هل يقرأ فيفهم؟ هل يسأل فيتقصّى؟ هل يحاور فيحسن الاختلاف؟ هل يبني موقفًا ويسنده بدليل؟ هل يكتب ليشرح ويقنع ويبدع؟ وهل يحمل لغته معه إلى الجامعة والعمل والمختبر والفضاء الرقميّ، أم يتركها خلفه مع آخر امتحان مدرسيّ؟

عند هذه النقطة تستعيد عبارة «اللّسان ترجمان العقل» معناها التربويّ الأعمق. فإصلاح تعليم العربيّة لا يعني الدفاع عن مادّة دراسيّة، ولا الحنين إلى ماضٍ لغويّ. إنّه استثمار في أداة من أدوات العقل، وفي حامل من حوامل الهويّة، وفي قدرة الإنسان على أن يفهم ويعبّر وينتج المعرفة. لا نريد أن نحمي العربيّة من المستقبل؛ نريد أن نمكّن أبناءنا منها، ليدخلوا بها إلى المستقبل، ويفكّروا بها، ويبدعوا.