اللغة العربية بين الانتشار والمكانة المعرفية – د. شاهر النهاري

تستطيع اللغة أن تعيش مئات السنين، وأن تحتفظ بمكانتها في الذاكرة والوجدان، ثم تجد نفسها على هامش العالم الذي أسهمت يومًا في صناعة جانب مهم من حضارته. وقد يحدث العكس أيضًا، حين تتحول لغة كانت محصورة في بيئة جغرافية محددة إلى جسر تعبر عليه الأمم نحو العلم والاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة.

ووفقًا لموقع «إثنولوج: لغات العالم»، تُستخدم اليوم آلاف اللغات حول العالم، ويتغير عددها مع تطور التوثيق والتصنيف وتوقف استخدام بعض اللغات. لكن ترتيب اللغات بحسب عدد المتحدثين لا يكشف وحده عن مكانتها الفعلية؛ فثمة فارق بين لغة يتحدثها الملايين، ولغة تُنتج بها المعرفة وتُدار بها المصالح الكبرى.

وتشير بيانات عام 2026 إلى تصدر الإنجليزية قائمة اللغات الأكثر استخدامًا، بما يقارب مليارًا ونصف المليار متحدث، فيما تأتي العربية الفصحى الحديثة في المرتبة الخامسة، بنحو ثلاثمائة وخمسة وثلاثين مليون متحدث. ويخص هذا الترتيب الفصحى الحديثة، مع إدراج بعض التنوعات العربية في مداخل مستقلة.

وقد أسهم في انتشار الإنجليزية الإرث الاستعماري البريطاني، ثم التأثير الاقتصادي والعلمي والثقافي والإعلامي للولايات المتحدة الأمريكية. وبين العربية والإنجليزية تبرز حقيقة تستحق الفهم؛ فالمسألة لا تتعلق بقدرة لغة على التعبير أكثر من أخرى، ولا بغنى مفرداتها أو جمال تراكيبها فحسب، بل بما يقف خلف كل لغة من تعليم وإنتاج ومؤسسات ومراكز تأثير.

فالإنجليزية تجاوزت حدود أوطانها الأصلية، وأصبحت لغة مشتركة تتعلمها شعوب لا يجمع بينها تاريخ واحد ولا جغرافيا واحدة، لأنها باتت وسيلة عملية للوصول إلى المعرفة والفرص والأسواق، في عصر العولمة الذي غدا فيه العالم أشبه بقرية صغيرة.

غير أن الفارق الأهم لا يكمن في عدد المتحدثين، بل في الوظائف التي تؤديها اللغة. فالإنجليزية حاضرة بقوة في الجامعات ومراكز الأبحاث والمختبرات وشركات التقنية والصناعات المتقدمة والأسواق المالية العالمية. وهي تمنح الباحث وصولًا واسعًا إلى المعرفة المنشورة، وتتيح للمهندس متابعة أحدث التطورات، وتمكّن الشركات من التواصل مع الأسواق الدولية بكفاءة. وقد جعل حضورها الواسع في النشر العلمي أداة فاعلة في تداول المعرفة الحديثة وتطويرها ونشرها.

وهنا تتجلى قوة الانتشار الوظيفي؛ إذ لا تكتفي اللغة بدور التفاهم بين الناس، بل تتحول إلى وسيلة لإنتاج المعرفة الجديدة وتداولها. فكلما ارتبطت اللغة بمراكز الابتكار والبحث والصناعة، اتسع حضورها وتعاظم تأثيرها، وأصبحت أكثر قدرة على استقطاب المتعلمين من خارج بيئتها الأصلية.

أما العربية، فلا تعاني أزمة في القدرة بقدر ما تعاني أزمة في التوظيف والإنتاج. فهي لغة رسمية في الأمم المتحدة، وتحمل إرثًا حضاريًا عظيمًا في تطور الطب والرياضيات والفلك والفلسفة والآداب، وما زالت تُنتج بها بحوث ومؤلفات في تخصصات متعددة. غير أن حضورها في التواصل العلمي الدولي، وفي كثير من برامج التعليم الجامعي والتقني، لا يتناسب مع عدد المتحدثين بها ولا مع الثقل السكاني والحضاري للعالم العربي.

وتبرز المشكلة بصورة أوضح حين نلحظ أن جزءًا كبيرًا من المعرفة المتقدمة يصل إلى مؤسساتنا عبر الإنجليزية، بينما يبقى الإنتاج العلمي المنشور بالعربية، والقادر على المنافسة والتراكم والتأثير الدولي، محدودًا نسبيًا. وحين يقل إنتاج المعرفة بلغة ما، تتراجع الحاجة العملية إليها في المجالات المتقدمة، ويتقلص حضورها تدريجيًا في دوائر التأثير المعرفي.

ومن هنا لا تبدو القضية لغوية خالصة، بل انعكاسًا لمسار اجتماعي أوسع يتعلق بالتعليم والبحث العلمي والاقتصاد والتنمية. فتفاوت الاستثمار في البحث والتطوير، وجودة الجامعات ومراكز الأبحاث، وقدرة المؤسسات على تحويل نتائج البحوث إلى تطبيقات ومنتجات، كلها عوامل تنعكس على مكانة اللغة ودورها.

فالمكانة المعرفية للغة ترتبط بإنجازات المجتمعات والمؤسسات التي تستخدمها وتنتج بها. ولا يكفي إثراء المعاجم إذا كانت المختبرات محدودة، ولا تكفي الترجمة وحدها إذا كان الإنتاج المعرفي ضعيفًا، ولا يمكن للحديث المستمر عن أمجاد الماضي أن يعوض غياب منظومة علمية قادرة على صناعة الحاضر والمستقبل. فالكلمات تزداد قوة عندما تسندها مؤسسات منتجة وعقول مبتكرة وإنجازات حقيقية على أرض الواقع.

وفي البيوت والمدارس العربية تظهر مفارقة أخرى؛ فأولياء الأمور يسعون إلى منح أبنائهم فرصًا أوسع في المستقبل، ولذلك يحرصون على تعليمهم الإنجليزية، وهو خيار مفهوم ومبرر في عالم مترابط تتزايد فيه الحاجة إلى التواصل والمعرفة العابرة للحدود. لكن المشكلة ليست في تعلم الإنجليزية، بل في أن يتحول اكتسابها أحيانًا إلى بديل عن التمكن من العربية، بدلًا من أن يكون مكملًا له. وعندما تضعف مهارات القراءة والكتابة والتعبير بالعربية، يتراجع استخدامها أداةً للتفكير والتحليل والإبداع، ويضيق حضورها في حياة أصحابها إلى حدود التواصل اليومي.

ولا يصح تحميل وزارات التعليم وحدها كامل المسؤولية، رغم أهمية دورها. فالقضية تتداخل فيها سياسات التعليم، ومؤسسات البحث العلمي، وسوق العمل، وجودة المحتوى الرقمي، وعادات القراءة، ونظرة المجتمع إلى لغته. فالإنجليزية لم تنتشر بقواعدها وحدها، بل حملتها القوة الاقتصادية والسياسية والعلمية، ثم عززتها الجامعات والشركات والتكنولوجيا وشبكات التجارة العالمية. واللغات تتقدم حين تتقدم المؤسسات التي تستخدمها وتنتج بها.

إن الخطر الحقيقي ليس في انتشار الإنجليزية، بل في التعامل معها بوصفها بديلًا عن العربية. فالإنجليزية نافذة ضرورية على العالم، والعربية وعاء الهوية والثقافة والذاكرة المشتركة، وأداة للتفكير والإنتاج المعرفي. والنجاح لا يكون بالمفاضلة بينهما، بل ببناء علاقة تكامل تتيح الانفتاح على المعرفة العالمية، وتعزز القدرة على إنتاجها وتداولها بالعربية داخل مجتمعاتنا وخارجها.

فاللغات لا تصعد إلى القمة لأن أصحابها يحبونها أكثر، ولا تتراجع لأن مفرداتها أقل ثراءً، بل تتحدد مكانتها المعرفية بقدر حضورها في ميادين الإنتاج والتأثير. والعربية اليوم ليست أمام أزمة بقاء، فهي واسعة الانتشار، لكنها أمام تحدٍّ يتعلق بمساحة حضورها في صناعة المعرفة الحديثة.

ولهذا فإن مستقبل العربية لن يُبنى على المفاضلة بينها وبين الإنجليزية، ولا على إهمال العلوم الحديثة، بل على بناء بيئة علمية وتعليمية واقتصادية تجعلها شريكًا في إنتاج المعرفة، لا مجرد وعاء لتلقيها. فكل بحث رصين يُكتب بها، وكل برنامج جامعي متقدم يستخدمها، وكل صناعة مبتكرة توظفها، يضيف إلى قوتها المعرفية ما يتكامل مع رصيدها الأدبي والثقافي.

وحين يتحول العلم إلى ثقافة، والابتكار إلى ممارسة، والمعرفة إلى قيمة مضافة، ستتعزز مكانة العربية في إنتاج المعرفة الحديثة وتداولها، بوصفها لغة حية تعمل في الحاضر وتسهم في صناعة المستقبل؛ لغة يتعلمها الآخرون ويقبلون عليها لما تتيحه من معرفة وفرص، ويتجاوز اعتزازنا بها التغني بأمجادها الماضية إلى العمل من أجل حضورها وتأثيرها.