تعتمد قوة أية لغة على الخيال، حتى أننا نستطيع القول إنه لا لغة من دون خيال. لقد قسّم بعض الفلاسفة خاصة من المدارس العلمية، اللغة إلى قسمين: إنشاء وإخبار، الأول خاص بالإبداع والصور والمجاز والبلاغة، والثاني يتعلق بالحقائق وأقرب إلى اللغة الجافة التي تعتمد على الأرقام، وما يمكن تلمسه على أرض الواقع، ولكننا سنلاحظ أن القسم الثاني تضمن أيضاً الخيال العلمي الذي نحت لغة خاصة به، لا تخلو من انطلاقة اللغة الشاعرية.تتراجع اللغة، ليس بسبب المؤثرات الأجنبية أو ضعف التعليم أو عدم اهتمام أهلها بها، كل هذه العوامل مؤثرة، ولكن العامل الفصل في هذا التراجع يتمثل في خفوت الخيال، لقد شهدت اللغة العربية في عصر النهضة والتحرر الوطني، أي تلك الفترة التي نعتبرها الآن ذروة التألق اللغوي، من ينتقد انتشار المؤثرات الأجنبية وعدم اهتمام أهل العربية بلغتهم، بل وكان هناك من يدعو إلى استخدام الحروف اللاتينية في كتابة العربية، ومن يطالب بالكتابة بالعامية، ومن يكتب بلغة خشبية مهجورة وثقيلة، ومع كل هذه المصاعب والعوائق، كانت اللغة مزدهرة وأوضاعها أفضل من الراهن بما لا يقاس، والسبب هو امتلاكنا آنذاك للخيال المحلق المنفلت من عقاله.الخيال في اللغة يستطيع أن ينحت المصطلحات، ويخترع الكلمات ويبسط في الأسلوب، ويجعل اللغة عذبة وسلسة، وتستطيع التسلل إلى آذان الجميع برغم اختلاف اللهجات من بلد إلى آخر. الخيال المحلق ينجح في صناعة الصور الخلابة واللعب المثمر باللغة، ويخلّص اللغة من التعقيد والمفردات الصعبة والمهجورة التي تتحول في حضوره إلى كائن حي، وإلى موضوع يمكن للجميع أن يتحدث فيه ويحبه. الخيال المحلق يحوّل اللغة إلى ابتكار حضاري، نفخر به.في عصر النهضة العربية، وزمن الاستقلال، كان الخيال حراً ويتحرك في مختلف مفاصل اللغة، في هذه الزاوية من يتحدث عن تطوير الشعر، وتغيير شكل القصيدة، وفي زاوية أخرى نرى من يحاول التنظير للرواية، ومن يطور النثر، ومن يجتهد مع السرد، حتى تحول هذا المصطلح الأخير من بيئته الأدبية، وأصبحنا نستخدمه في مجالات أوسع، منها التاريخ والسياسة، وفي الإعلام حدثت أهم نقلة فباتت العربية المبسطة قريبة من الجميع، نستمتع بها.أن يصعد الخيال، معناه أن ترتقي اللغة، فالخيال أداة الفكر، وهذا الأخير لا يحيا من دون اللغة.الآن هناك إشكاليات كثيرة تعترض الخيال في ثقافتنا، ويمكننا القول إنه يعاني أزمة طاحنة، فلا أحد يفكر في التنظير، ولا أحد يقترب من التجديد في أي حقل أدبي، وكأن فنون الأدب وصلت إلى منتهاها، ويبدو الآن أن مشاكل اللغة لا تزال كما هي: المؤثرات الأجنبية، وضعف التعليم وغياب التربية اللغوية، وهي مشاكل مزمنة، وجاءت مواقع التواصل الاجتماعي بدورها، وابتكرت لغة هجينة تضاف إلى إشكالياتنا اللغوية، ويبدو أننا نؤجل التعاطي مع كل هذه القضايا إلى المستقبل، أو ننتظر صحوة جديدة للخيال، تستطيع ليس تغيير وجه ثقافتنا، ولكن يمكنها تغيير حياتنا بأكملها.
ADVERTISEMENT
مقالات ذات صلة

«إسلامية الشارقة» تكثف برامجها في المساجد لتهيئة الحجاج إيمانياً وشرعياً
كثفت دائرة الشؤون الإسلامية بالشارقة برامجها التوعوية المصاحبة لموسم الحج، من خلال تنفيذ سلسلة من المحاضرات العلمية والدروس الإيمانية التي أقيمت في مساجد الإمارة، بهدف توعية الحجاج بأحكام المناسك وتعزيز الاستعداد الإيماني لهذه الشعيرة العظيمة، تزامناً مع بدء مغادرة حجاج الدولة إلى الأراضي المقدسة.ونفّذت الدائرة برنامجاً من المحاضرات التوعوية بعنوان«مناسك الحج.. خطوة بخطوة»، في عدد…
AL-KHALEEJ
May 22, 2026

فرق هيئة الفجيرة للبيئة تكتشف مواقع جديدة لتعشيش السلاحف على سواحل الإمارة
رصدت الفرق الميدانية بقسم التنوع البيولوجي والمحميات البحرية في هيئة الفجيرة للبيئة ثلاثة مواقع لتعشيش السلاحف البحرية على سواحل إمارة الفجيرة بالقرب من محمية الفقيت في مدينة دبا الفجيرة على شاطئ فندق ومنتجع رويال بيتش، وذلك أثناء عمليات المسوحات البحرية والساحلية التي تنفذها الفرق الميدانية خلال موسم التعشيش في الفترة ما بين مارس إلى يونيو…
AL-KHALEEJ
May 22, 2026
ADVERTISEMENT
