ليس أكثر إثارة للسخرية من أولئك الذين ما زالوا يلهثون في لبنان وراء تطبيع العلاقة مع "إسرائيل"، ويقدّمون التقارب معها بوصفه مدخلاً إلى الاستقرار والازدهار، فيما بدأت البيئة السياسية التي شكّلت لعقود حاضنة دولية لهذا الكيان تعيد النظر في طبيعة العلاقة معه، وتطرح علناً ضرورة تغييرها.فما كشفه نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، نقلاً عن استطلاعات وآراء ناخبين، يستحق التوقف عنده. إذ أشار إلى أن من بين أبرز الأسباب التي دفعت ناخبين، سبق أن صوّتوا لترامب، إلى التصويت للديموقراطيين، المطالبة بتغيير علاقة الولايات المتحدة بـ"إسرائيل". ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد أعلن ترامب نفسه عزمه وقف المساعدات المالية السنوية لـ"إسرائيل"، المقدّرة بنحو أربعة مليارات دولار، اعتباراً من نهاية العام، وإن كان ذلك لا يعني وقف مبيعات الأسلحة أو التعاون العسكري.قد تكون لهذه المواقف حساباتها الانتخابية والسياسية، وقد لا تعني انقلاباً أميركياً كاملاً على "إسرائيل"، لكنها تكشف حقيقة لا يستطيع المكابرون تجاهلها: أن صورة "إسرائيل" لم تعد بمنأى عن المساءلة، وأن كلفة الانحياز الأعمى إليها بدأت تظهر داخل المجتمع الأميركي نفسه، بعدما كشفت حرب الإبادة في غزة، والاعتداءات المتواصلة والتغوّل في المنطقة، حجم التناقض بين ادعاءاتها وممارساتها.فبأي منطق يصرّ بعض اللبنانيين على تسويق العلاقة مع كيان، باتت علاقته بحلفائه موضع مراجعة ونقاش؟ وبأي رهان يتحدثون عن مستقبل مشترك مع دولة ، لم تقدّم لجوارها سوى الاحتلال والقتل والتدمير وانتهاك السيادة؟إن العلاقات الدولية لا تُبنى على الأوهام، ولا على استجداء رضا من لا يعترف بحقوق الآخرين. ومن يراهن اليوم على "إسرائيل"، متوهّماً أن أبواب المستقبل تُفتح من خلالها، إنما يطارد وهماً سياسياً فقد كثيراً من بريقه، ويلاحق "جيفة علاقة" تتكشف أضرارها حتى في عقر دار أبرز حلفائها.فبدلاً من أن يقرأ هؤلاء تحولات العالم، يصرّون على الارتهان لماضٍ لم يعد حتى حلفاء "إسرائيل" مطمئنين إلى استمراره.