الكويت والسعودية.. أخوّة التاريخ ومسؤولية أمن الخليج – سعدون مطلق  السوارج

ليست العلاقة بين دولة الكويت والمملكة العربية السعودية مجرّد صلة جوار فرضتها الجغرافيا، ولا إرثًا تاريخيًا تستحضره المناسبات؛ إنها علاقة رسّختها التجربة، وحمتها الثقة، وعزّزتها روابط المجتمع والمصير المشترك. وقد اكتسبت هذه العلاقة قوتها من حقيقة راسخة: أن أمن البلدين واستقرارهما يرتبطان بأمن الخليج العربي، وأن متانة الروابط بين دوله ليست تفصيلًا سياسيًا، بل أحد أعمدة الاستقرار في منطقة تتشابك فيها التحديات والمصالح.

تظهر قيمة هذه الحقيقة حين تتعرض المنطقة لاختبارات تمس أمن الناس والمنشآت المدنية. فقد شهد مطار الملك خالد الدولي في الرياض اعتداءات خلال الثامن من أكتوبر 2026، أسفرت عن استشهاد ثلاثة مواطنين سعوديين وإصابة آخرين، ثم وقع اعتداء جديد في العاشر من أكتوبر خلّف اثني عشر قتيلًا و309 مصابين، وفق ما أعلنته هيئة الطيران المدني السعودية. وهذه حصيلة إنسانية موجعة تضع سلامة المدنيين في صدارة المشهد، وتؤكد خطورة استهداف المرافق التي صُممت لخدمة الناس وربط المجتمعات بعضها ببعض.

فالمطار ليس مبنى أو مدرجًا للطائرات فحسب؛ إنه مرفق مدني تتصل به حياة المسافرين وأعمالهم وأسرهم، وحركة التجارة والاتصال بين الدول. واستهدافه لا يقف عند حدود الأضرار المادية، بل يمسّ حق الإنسان في التنقل الآمن، ويهدد انتظام الخدمات، ويضيف إلى التوتر الإقليمي تكلفة إنسانية واقتصادية. ومن هنا، فإن رفض الاعتداء على المدنيين والمنشآت المدنية موقف يستند إلى مبدأ ثابت، لا إلى ظرف عابر أو حساب سياسي مؤقت.

وفي مواجهة مثل هذه التحديات، تتجلى قيمة القيادة في قدرتها على حماية أمن الدولة وصون المجتمع، مع الحفاظ على اتزان القرار ووضوح الموقف. فالقوة الحقيقية لا تنفصل عن الحكمة، كما أن الحكمة لا تعني التردد في حماية السيادة والمصالح الوطنية. وبين هذين البعدين تتحدد مسؤولية القيادة التي تدرك أن أمن البلاد ليس شعارًا، بل واجب يومي تتكامل فيه مؤسسات الدولة والاستعدادات الأمنية والقدرة على إدارة الأزمات.

ومن هذا المنطلق، تبرز قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، بما تضطلع به من مسؤولية في حماية أمن المملكة ومصالحها، ومواصلة مسيرة التنمية، وتعزيز قدرة الدولة على التعامل مع التحولات الإقليمية بحكمة وثبات. وفي المقابل، تبرز قيادة حضرة صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت حفظه الله، امتدادًا لنهج كويتي راسخ يضع أمن الخليج ووحدة صفّه في صميم المسؤولية السياسية، ويصون العلاقات الأخوية باعتبارها رصيدًا استراتيجيًا يعزز استقرار المنطقة وتماسكها.

إن الإشادة بالقيادتين الكويتية والسعودية لا تستمد معناها من المجاملة، بل من طبيعة الدور الذي تضطلع به كل قيادة في حماية وطنها وترسيخ استقراره، ومن قيمة العلاقة التي تجمع البلدين ضمن منظومة خليجية تتطلب وعيًا بالمصير المشترك. فلكل دولة قرارها السيادي ومؤسساتها وأولوياتها، لكن الثقة المتبادلة والتنسيق الخليجي يفتحان مساحة أوسع لحماية المصالح المشتركة، ويمنحان المنطقة قدرًا أكبر من التماسك في مواجهة الأزمات.

هذه العلاقة ليست وليدة ظرف سياسي واحد؛ فقد تشكّلت عبر تاريخ طويل من التداخل الاجتماعي والتجاري والإنساني. وتجاوزت روابط المجتمعين حدود الجوار، لتصبح جزءًا من الذاكرة اليومية للعائلات، ومن حركة الناس والتجارة، ومن شعور مشترك بأن ما يمسّ أحد البلدين يترك أثره في الآخر. ولذلك، فإن الأخوّة الكويتية السعودية ليست استعارة تُستدعى في أوقات الشدة، بل واقع اجتماعي وسياسي أسهمت التجربة في ترسيخه، وتؤكده المصالح المشتركة واستمرار التعاون بين البلدين.

وتتضح مسؤولية المملكة العربية السعودية تجاه الاستقرار الإقليمي كذلك من خلال جهودها التنموية والإنسانية في اليمن. فإعادة تأهيل مطار عدن الدولي وتطويره، ضمن مشاريع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، لا تمثل مجرد تحسين لمنشأة نقل؛ بل تسهم في رفع كفاءة البنية التحتية، وتسهيل حركة المسافرين، وتعزيز ارتباط اليمن بمحيطه الإقليمي والعالم. وشملت أعمال التطوير إعادة تأهيل المدرج الرئيسي، ورفع كفاءة أنظمة الملاحة والاتصالات، بما يدعم سلامة العمليات الجوية وقدرة المطار على خدمة الحركة المدنية.

تكتسب هذه المشروعات معناها من واقع اليمن الذي يحتاج إلى استعادة الخدمات الأساسية وتعزيز قدرة المؤسسات على أداء وظائفها. فالمرافق المدنية الفاعلة تساعد على تنشيط الحركة الاقتصادية، وتيسير التنقل، وفتح منافذ للتواصل والعمل، كما تمنح المجتمعات المتضررة من الصراع فرصًا أفضل لاستعادة جوانب من حياتها الطبيعية. وهنا يظهر البعد العملي في الدعم السعودي: مساندة الاستقرار لا تقتصر على التعامل مع التحديات الأمنية، بل تشمل أيضًا البنية التحتية والخدمات التي ترتبط مباشرة بحياة الناس ومستقبلهم.

وفي الرابع من أكتوبر 2026، أعلنت المملكة تقديم دعم جديد للموازنة اليمنية تجاوز 224 مليون ريال سعودي، للمساهمة في تغطية النفقات التشغيلية والرواتب وتعزيز انتظام التدفقات المالية الحكومية. وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار أوسع من الدعم الاقتصادي والتنموي الذي يستهدف مساندة المؤسسات وتحسين الخدمات والتخفيف من الضغوط المعيشية. فاستقرار المجتمعات لا يتحقق بالأمن وحده؛ بل يحتاج إلى مؤسسات قادرة على العمل، وخدمات تستمر، ومقومات اقتصادية تمنح الناس قدرًا من الطمأنينة وفرصة لبناء مستقبلهم.

ولا يعني دعم اليمنيين تجاهل تعقيدات الأزمة أو الخلط بين احتياجات المدنيين وحسابات القوى المتصارعة. بل إن الفصل بينهما هو ما يمنح العمل الإنساني والتنموي قيمته؛ فحماية أمن المملكة ودول الخليج مسؤولية سيادية، ومساندة المدنيين وتطوير البنية التحتية مسؤولية إنسانية وتنموية لا ينبغي أن تضيع وسط الصراع. وفي هذا التوازن تتجلى أهمية السياسة التي تجمع بين وضوح الموقف في قضايا الأمن، واستمرار الجهود التي تخدم الاستقرار وتخفف آثار الأزمات على المجتمعات.

وهذه المعاني تمنح العلاقة الكويتية - السعودية بعدًا يتجاوز حدود الروابط الثنائية؛ فهي جزء من تماسك الخليج وقدرته على حماية مصالح شعوبه. فكلما استند التعاون إلى الثقة واحترام السيادة وفهم المصالح المشتركة، ازدادت قدرة الدول على التعامل مع التحولات دون أن تفقد ثباتها أو تتخلى عن مسارات التنمية. وتزداد أهمية ذلك في منطقة تتأثر فيها حركة التجارة والطيران والاستثمار والطاقة بأي اضطراب أمني، ما يجعل الاستقرار مصلحة تتقاطع عندها اعتبارات الأمن والاقتصاد وحياة الناس.

إن قوة العلاقة بين الكويت والسعودية تكمن في اجتماع عناصر يصعب أن يصنعها موقف عابر: تاريخ متجذر، وروابط اجتماعية حقيقية، ومصالح متشابكة، وقيادتان تدركان مكانة الاستقرار الخليجي في حماية حاضر شعبيهما ومستقبلهما. وفي ظل قيادة حضرة صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت حفظه الله، وقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، تظل هذه العلاقة عنوانًا لثبات الموقف وحكمة القرار وعمق الشراكة.