حملت النتائج التي أفضت إليها الإنتخابات النصفية في الولايات المتحدة مؤشرات سياسية بالغة الدلالة، ولا شك في أن تداعياتها سوف تتجاوز حدود الولايات المتحدة لتلقي بظلالها على العديد من الملفات الدولية والإقليمية، ومن بينها الملف السوري، فمع فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، يجد الرئيس الأميركي نفسه أمام واقع سياسي جديد، سوف تختلف الكثير من معطياته بدءا من يوم 3 كانون الثاني المقبل، وهو اليوم الذي سيباشر فيه الكونغرس الجديد مهامه لأربع سنوات مقبلة.قد يكون من المبكر الآن القول بأن فوز الديمقراطيين سيعني بالضرورة انقلابا جذريا في السياسة الأميركية تجاه سوريا، لكنه بالتأكيد سوف يؤدي إلى تغير شروطها، وأدوات مراقبتها خصوصا في ملفات عدة من نوع العقوبات والتعافي الإقتصادي والعلاقات الأمنية، الأمر الذي سيؤدي إلى حال من الإستقطاب ما بين رئيس داعم للسلطات الجديدة في دمشق و بين كونغرس يرغب في وضع ذلك الدعم «تحت المجهر»، وعليه فإنه بات من الجائز القول أن سوريا اليوم تقف أمام مشهد سياسي جديد من شأنه أن يطرح العديد من التساؤلات حول مستقبل العلاقات مع واشنطن، ومدى قدرة دمشق على التعامل مع التوازنات الحزبية الأميركية، ولعل التحدي الأكبر الماثل أمام دمشق الآن، ليس بالضرورة خسارة دعم ترامب، أو الحد من قدرات هذا الأخير في تقديم الدعم، بل في الإنتقال من علاقة تعتمد على دعم البيت الأبيض والمبعوث توم براك، إلى علاقة مؤسساتية تشمل، فيما تشمل، الكونغرس الديمقراطي.ولربما كان الحدث الأهم الذي يمكن للسياسة الأميركية أن تشهده حيال الملف السوري هو أن تخضع تحركات المبعوث توم براك، الذي قاد الإنفتاح على دمشق وشجع مشاريع النفط والغاز والطاقة، لتحقيقات في الكونغرس بشأن تضارب المصالح، وشفافية العقود، خصوصا أن زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز، الذي يتوقع أن يتولى رئاسة مجلس النواب، كان قد قال قبيل الإنتخابات أمام تجمع لأنصاره «سوف نحاسب أولئك الذين جروا هذا البلد إلى مستويات غير مسبوقة من الفساد»، وفيما يخص ملف الجنوب السوري، فإن من المرجح أن تخضع التفاهمات الأمنية ما بين دمشق وتل أبيب لرقابة إضافية، خصوصا ما يتعلق منها بالإنسحاب «الإسرائيلي»، والضمانات الأمنية والسيادة السورية، وفي ملف تركيا والأكراد، فإن من الراجح أيضا أن يعيد الديمقراطيون إثارة ملف العلاقة ما بين أنقرة والأكراد السوريين، ومدى تأثير النفوذ التركي في الترتيبات العسكرية والأمنية في سوريا.باختصار، أمور كثيرة قد تتغير، كونغرس جديد، وأعضاء جدد سيكونون أكثر صرامة في التعامل مع دمشق ونظام الحكم القائم فيها، وإذا كان من نافل القول أن «كيمياء» الديمقراطيين تكاد تكون مفقودة مع تركيا والسعودية، فإن من المؤكد أنها ستكون في أضعف حالاتها حيال تركيبة السلطة القائمة في دمشق، وإذا ما أرادت الأخيرة التناغم مع المستجد في المشهد الأميركي فإن المطلوب هو التمرين على استخدام مصطلحات من نوع: الحريات، حماية الأقليات، حقوق المواطنة، الديمقراطية، الإنتخابات، الحياة السياسية، شريطة أن يكون الفعل مقرونا بممارسات تؤكد على صحته.