يقصد سُمرة اللون؛ وعذرًا على هذا الاستهلال: وبرأيي أن التجديد والتنويع بمواد وأفكار الكتابة (بمثل هذه الزاوية المنوعة) مطلب حِسِّي وذوقي تتباين درجاته مِن إنسان لآخر؛ فَمَا يُعجب أحدنا قد لا يَرُوق غيره كثيرًا وإن لم يرفضه، والبيت السابق من قصيدة لشاعر أحب فتاة سمراء فشاهدها يومًا عند غدير الماء وقد حملت إناءها أو قربتها وانصرفت؛ فوضع إناءه مكان قربتها وكأنه يقول: (وتُحب قربتها دلائي)!؛ وإذا بكلب أسود عَطِشًا يَقْدُم طالبًا للماء فأسقاه وشاركه طعامه؛ ثم جاشت قريحته بقصيدته التي ضمنها البيت آنف الذكر! ولعله كان مِمَّن يُقدّرون وفاء الكلاب للإنسان؛ ويستنكرون امتداح الذئاب مع غدرها.
وأعود للاعتذار كَرَّة ثانية لمَن لا يروقه البيت التالي لشاعر ربما كان من أشد الناس معاناة من ظلم أخيه الإنسان؛ إذ قال بتشاؤم مبالغ به ولا يمكن إقراره على قوله:
ولو أبدلها بالذئاب لكان أبلغ وأقرب للمنطق والواقع، فالإعجاب والارتياح لوفاء الكلاب لا ينبغي أن يدفعنا لوصم أخينا الإنسان بأوصاف الخنازير مهما كانت درجة الصدود والخصومة؛ فمن رجاحة العقل المحاورة والجدال بالحكمة والكلمة الطيبة؛ والإيمان بأن فُحش العبارات لا يؤدي لحل قضية أو إنهاء مشكلة؛ وتجد أن جانبًا من قصص وفاء الكلاب منسوجٌ للعِظة والطرافة في آن واحد، ولا بأس بذلك، لا سيما أن مضامينها تحدث في كل حين ولا تتصادم مع الواقع. وتجد من يمتدح الذئب مع أنه شرس غادر، يُفسد ويتلف إذا تمكَّن مِن الغنم؛ مع أن جزءًا من واحدة يكفيه ليومه وغده لكنها الغريزة، ويبدو أن المُعجبين بالذئب يلتفتون إلى طريقته في المُخاتلة؛ لا إلى نتائج سطوته على الضعيف قليل الحيلة أمامه، وهنا أستذكر عبارات بعض مُعلقي كرة القدم حين يمتدحون لاعبًا خاتَل الحَكَم وتلاعب بالخصم ليكسب ركلة جزاء أو نحوها فيصفونه بالذكاء؛ أو باللاعب الذئب؛ وهذا من الفهم الخاطئ وليس من القدوة الحسنة أمام الناشئة والصغار، ومثله في الذّم حين يقال: فُلان كالكلب!
ومن موروث الحكايات والقِصَص حول ذكاء ومهارات الذئب باقتناص فرائسه والتخطيط الماكر للسطو والمهاجمة ما قيل قديمًا وحديثًا من روايات تتباين حقيقة وخيالًا؛ بينها سَرديَّات ما للذئب من مواقف نبيلة نحو والديه وأسرته؛ وتتناسى ما بطباعه من مساوئ الغدر والمخاتلة التي يعرفها رعاة الأغنام جيدًا؛ ومن الأمثال الشائعة بهذا الجانب قولهم: (الراعي والذئب كلاهما يَعرفان أن لحم الحَمَل لذيذ)!
يقصد سُمرة اللون؛ وعذرًا على هذا الاستهلال: وبرأيي أن التجديد والتنويع بمواد وأفكار الكتابة (بمثل هذه الزاوية المنوعة) مطلب حِسِّي وذوقي تتباين درجاته مِن إنسان لآخر؛ فَمَا يُعجب أحدنا قد لا يَرُوق غيره كثيرًا وإن لم يرفضه، والبيت السابق من قصيدة لشاعر أحب فتاة سمراء فشاهدها يومًا عند غدير الماء وقد حملت إناءها أو قربتها وانصرفت؛ فوضع إناءه مكان قربتها وكأنه يقول: (وتُحب قربتها دلائي)!؛ وإذا بكلب أسود عَطِشًا يَقْدُم طالبًا للماء فأسقاه وشاركه طعامه؛ ثم جاشت قريحته بقصيدته التي ضمنها البيت آنف الذكر! ولعله كان مِمَّن يُقدّرون وفاء الكلاب للإنسان؛ ويستنكرون امتداح الذئاب مع غدرها.
وأعود للاعتذار كَرَّة ثانية لمَن لا يروقه البيت التالي لشاعر ربما كان من أشد الناس معاناة من ظلم أخيه الإنسان؛ إذ قال بتشاؤم مبالغ به ولا يمكن إقراره على قوله:
ولو أبدلها بالذئاب لكان أبلغ وأقرب للمنطق والواقع، فالإعجاب والارتياح لوفاء الكلاب لا ينبغي أن يدفعنا لوصم أخينا الإنسان بأوصاف الخنازير مهما كانت درجة الصدود والخصومة؛ فمن رجاحة العقل المحاورة والجدال بالحكمة والكلمة الطيبة؛ والإيمان بأن فُحش العبارات لا يؤدي لحل قضية أو إنهاء مشكلة؛ وتجد أن جانبًا من قصص وفاء الكلاب منسوجٌ للعِظة والطرافة في آن واحد، ولا بأس بذلك، لا سيما أن مضامينها تحدث في كل حين ولا تتصادم مع الواقع. وتجد من يمتدح الذئب مع أنه شرس غادر، يُفسد ويتلف إذا تمكَّن مِن الغنم؛ مع أن جزءًا من واحدة يكفيه ليومه وغده لكنها الغريزة، ويبدو أن المُعجبين بالذئب يلتفتون إلى طريقته في المُخاتلة؛ لا إلى نتائج سطوته على الضعيف قليل الحيلة أمامه، وهنا أستذكر عبارات بعض مُعلقي كرة القدم حين يمتدحون لاعبًا خاتَل الحَكَم وتلاعب بالخصم ليكسب ركلة جزاء أو نحوها فيصفونه بالذكاء؛ أو باللاعب الذئب؛ وهذا من الفهم الخاطئ وليس من القدوة الحسنة أمام الناشئة والصغار، ومثله في الذّم حين يقال: فُلان كالكلب!
ومن موروث الحكايات والقِصَص حول ذكاء ومهارات الذئب باقتناص فرائسه والتخطيط الماكر للسطو والمهاجمة ما قيل قديمًا وحديثًا من روايات تتباين حقيقة وخيالًا؛ بينها سَرديَّات ما للذئب من مواقف نبيلة نحو والديه وأسرته؛ وتتناسى ما بطباعه من مساوئ الغدر والمخاتلة التي يعرفها رعاة الأغنام جيدًا؛ ومن الأمثال الشائعة بهذا الجانب قولهم: (الراعي والذئب كلاهما يَعرفان أن لحم الحَمَل لذيذ)!
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.