القلق بطل سردية القرن العشرين

يقدم رولو ماي في كتابه «معنى القلق وطبيعته الثقافية والنفسية والبيولوجية» (ترجمة بندر الحربي) أمثلة من مظاهر القلق في الأدب الأمريكي في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وبالرغم من أن أعراض القلق أو علاماته لم تكن شائعة في تلك الفترة، فإن المؤلف يشير إلى أن القلق كان مرتبطاً في كثير من الأحيان بالقضية التي عبر عنها توماس وولف في روايته «الرجوع إلى البيت».في عام 1950 أطلق الشاعر أودن على قصيدته اسم «عصر القلق» وهو العنوان الذي يعكس بدقة سمات تلك الفترة، بالرغم من أن أودن عالج في قصيدته التجارب الداخلية لأربع شخصيات خلال زمن الحرب، فقد أشار بوضوح إلى أن الأسباب العميقة وراء قلق شخصياته، وكذلك قلق الآخرين في ذلك العصر، يجعلك تبحث في مستويات أعمق من مجرد وقوع الحرب.في عبارة مشابهة لعبارة أودن وصف ألبير كامو هذا العصر بمسمى «قرن الخوف» مقارنة بالقرن السابع عشر الذي عرف بعصر الرياضيات، والقرن الثامن عشر الذي أطلق عليه عصر العلوم الفيزيائية، والقرن التاسع عشر الذي سمي بعصر البيولوجيا، ويطلق على عصرنا أيضاً «قرن علم النفس» وهذا يدفعنا للبحث عن علاقة ضرورية بين الخوف وعلم النفس، وما إذا كان الخوف هو ما يدفع الناس لفحص أعماق نفوسهم أم لا.يشير المؤلف إلى كافكا باعتباره قد عبر بوضوح عن القلق والحالات المشابهة للقلق، لدى الناس في هذه الفترة، لكن هيرمان هيسه الذي استخدم رموزاً أدبية أقل من كافكا كان أوضح في تحديد مصادر قلق الإنسان الحديث، لقد ظهر الوعي بالتغيرات الاجتماعية الصادمة في القرن العشرين في أوروبا، قبل ظهوره في أمريكا، لذا كانت كتابات هيسه أكثر علاقة بالمشكلات الواقعة في الولايات المتحدة في الأربعينات، مقارنة بعام 1927 وهو تاريخ نشر رواية هيسه «ذئب البراري».تتجلى العلاقة المثلى بين السياسة والقلق في رؤية سبينوزا للجانب السياسي من «الحرية من الخوف» فقد اعتقد سبينوزا أن هدف الدولة هو «تحرير كل فرد من الخوف ليعيش ويتصرف بأمان كامل ودون أن يلحق الأذى بنفسه أو بجاره» إلا أنه حينما ننظر إلى الساحة السياسية الفعلية نجد أن القلق يظهر بوضوح سواء بشكل عرضي أو صريح، ودون التعمق في الأسباب المعقدة للفاشية يكفي أن نلاحظ أنها تنشأ وتكتسب قوتها في فترات انتشار القلق على نطاق واسع.برز القلق بوصفه مشكلة مركزية في أفكار الفلاسفة مثل بول تيليتش ومارتن هايدجر وغيرهما، الذين عايشوا الأزمات الثقافية والاضطرابات في المجتمع الغربي خلال العقود الماضية، في ضوء فكرة نيتشه بأن الفيلسوف هو «طبيب الثقافة» يتعين النظر إلى أفكار هؤلاء الفلاسفة على أنها تشخيص لحالة ثقافتنا، وليست مجرد تأملات نظرية بعيدة عن الواقع.وصف تيليتش القلق بأنه استجابة الإنسان لتهديد العدم، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يدرك وجوده بوعي ذاتي، وفي الوقت نفسه يدرك أنه قد يتوقف عن الوجود في أي لحظة، من الناحية الفلسفية ينشأ القلق حينما يكون الفرد مدركاً لوجوده في مواجهة الاحتمال المستمر للعدم، وهذا يتوازى مع وصف كيركجارد للقلق بأنه «الخوف من العدم» وهنا لا يعني العدم تهديد الموت الجسدي.ظاهرة«القلق هو السمة العقلية الأكثر بروزاً في الحضارة الغربية» كما أشار عالم النفس الاجتماعي ويلوبي الذي دعم هذا الادعاء بأدلة إحصائية تظهر زيادة في ثلاثة مجالات من الأمراض الاجتماعية التي يعتقد أنها ناتجة عن القلق، وهي حالات الانتحار، والأشكال الوظيفية للاضطرابات النفسية، وحالات الطلاق.يشير الكتاب إلى أن معدلات الانتحار أظهرت زيادة مستمرة في معظم دول أوروبا، وفي ما يتعلق بالأشكال الوظيفية للاضطرابات العقلية أشار ويلوبي إلى أنه «يبدو من المحتمل وجود ارتفاع حقيقي في معدلات الإصابة بالأمراض العقلية حتى عندما أخذ التوسع الكبير في خدمات الرعاية الصحية العقلية وتحسين طرق التشخيص بالحسبان».وقد أظهرت معدلات الطلاق في جميع الدول، باستثناء اليابان اتجاهاً تصاعدياً ثابتاً خلال القرن العشرين، ويرى ويلوبي أن ارتفاع معدلات الطلاق يعكس عدم قدرة أفراد الثقافة على تحمل الضغوط الإضافية الناجمة عن التكيف الزوجي الحرج، ما يشير إلى وجود مستوى كبير من القلق في المجتمع.يؤكد الكتاب أن القلق ليس مجرد مفهوم نظري مجرد، ومناقشة القلق دون ربطه بالمشكلات الإنسانية الملحة لن تكون جديرة بالكتابة أو القراءة، ولهذا السبب يتعين أن تكون المشكلات النظرية مرتبطة بوضوح بتجارب القلق الواقعية، ولهذا السبب استخدم المؤلف في هذا الكتاب حالات واقعية ودراسات مختارة، لاكتشاف الأدلة الملموسة التي تدعم استنتاجاته حول ما يعنيه القلق، وما الفائدة منه في التجربة الإنسانية.حيويةالقلق جزء أساسي من الحالة الإنسانية، ومواجهة القلق قد تخلصنا من الملل، وتزيد من حدة إدراكنا وحساسيتنا، وتضمن وجود التوتر الضروري للحفاظ على الحياة الإنسانية، وجود القلق يشير إلى الحيوية فهو مثل الحمى يشير إلى أن هناك صراعاً داخلياً يحدث داخل الإنسان، ومادام هذا الصراع مستمراً يظل الحل البنّاء ممكناً، ومتى يختفي القلق ينتهي الصراع، وقد يتبع ذلك الاكتئاب، ولهذا السبب رأى كيركجارد أن القلق «هو أفضل معلمينا».