القضية الفلسطينية: هل هي إسلامية أم عربية؟ حل القضيتين قبل حل الدولتين – د.عبدالله الفايز

تعتبر القضية الفلسطينية من أكثر القضايا التي استطاعت أن تجمع العرب والمسلمين، بل وأن تتجاوز في أبعادها حدود العالمين العربي والإسلامي إلى المجالين المسيحي والإنساني والدولي. فمنذ قيام إسرائيل واحتلال أجزاء من فلسطين، ثم احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة عام 1967، أصبحت القضية الفلسطينية محوراً دائماً في السياسة العربية والإسلامية والدولية، وتتابعت المبادرات والمؤتمرات والمفاوضات والقرارات والمساعدات والجهود الدبلوماسية لعقود طويلة، ومع ذلك بقي الحل النهائي بعيد المنال. وقد يكون من المفيد، بعد هذه العقود الطويلة من المحاولات، أن نعيد النظر في طريقة تعريف القضية نفسها، لا بهدف تقسيمها أو إضعافها، وإنما بهدف فهم مكوناتها المختلفة، لأنني أرى أن أحد أسباب التعقيد المستمر قد يكون أننا نتعامل مع مجموعة من القضايا المختلفة وكأنها قضية واحدة لها مفتاح واحد، بينما الواقع قد يشير إلى وجود أكثر من قضية داخل القضية الفلسطينية، ولكل منها طبيعتها وأصحاب المصلحة فيها وأدوات التعامل معها.

القضية الفلسطينية من أعقد القضايا وقد يكون السبب تجاهلنا أو ضعف ذاكرتنا فنحن ننسي الماضي ولا نحضره لفهم الوضع الحالي والمستقبلي. والقضية لا تحتاج إلى سياسيين محنكين ليشرحوها لنا. فأنا ومن في جيلي عشنا أكثر من 70 عاماً نعاني ونتساءل من هو عدونا أو من هو الذي يخطط للسيطرة علينا؟. ومع الوقت ينجح العدو في تغيير صوره، فمرة ينتحل شخصية إسرائيل ومرة إيران ومرة حزب الله والحوثين والتي هي كلها عملاء ووجوه لعملة واحدة «أمريكا ومصالحها». بل ننسى ونبدأ ندعي أن الجماعات الإرهابية هي عدونا فبدل أن نقول إنها أمريكا التي صنعت من إيران قوة منذ أيام الشاه، وأخيراً قدمت لنا الخميني وفق معاهدة غير معلنة لخدمة مصالح أمريكا. ولكننا نرى أن عدونا هو فصيلة مرتزقة في الجيش الإيراني والذي تدعمه أمريكا كمخطط تشاركي للسيطرة على المنطقة. فمنذ سلمت بريطانيا المنطقة بعد أن قسمتها إلى دويلات متنافرة، إلى أمريكا بدأت المعضلة التي استمرت سبعين عاماً بدون حل والأسواء أننا لا نعرف من بيده الحل.

إن فصل القضيتين مهم لإمكانية تسهيل وضع الحلول والمطالبات، وبحيث تكون القدس قضية يدافع عنها العالم الإسلامي والعربي، وقد يجد تعاطفاً دولياً أكبر، بينما القضية الفلسطينية يدافع عنها العرب وحدهم والذين قضوا 70 عاماً في اختلافات وتخاذلات.. وهذا الفصل يساعد على الحل التدريجي للقضية. إذا كانت القضيتان مترابطتين في الواقع والتاريخ والسياسة، فهل يمكن أن يكون الفصل التحليلي بينهما، وليس بالضرورة الفصل السياسي أو التنازلي، مدخلاً إلى إعادة تنظيم الجهود العربية والإسلامية والدولية بصورة أكثر وضوحاً؟ إن هذه الفكرة لا تعني بأي حال من الأحوال أن القدس ليست فلسطينية، أو أن الفلسطينيين لا علاقة لهم بالقدس، أو أن الأراضي الفلسطينية ليست ذات أهمية للمسلمين. فالقدس جزء من القضية الفلسطينية في التصور الفلسطيني والعربي والإسلامي، والقدس الشرقية تُعامل في المواقف العربية والإسلامية الرسمية باعتبارها عاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة. كما أن المسجد الأقصى يقع في القدس الفلسطينية، وترتبط حمايته بالحفاظ على الوجود الفلسطيني والوصاية والإدارة التاريخية للأماكن المقدسة. ولذلك فإن المقصود بالفصل هنا هو الفصل التحليلي والوظيفي بين أبعاد القضية، وليس الفصل الجغرافي أو السياسي أو الحقوقي بينها.

لكن عندما ننظر إلى القدس والمسجد الأقصى تحديداً، نجد أن القضية تتخذ بعداً يتجاوز البعد الفلسطيني والعربي إلى بعد إسلامي عالمي واضح. فالمسجد الأقصى ليس مجرد موقع جغرافي فلسطيني، وإنما يحتل مكانة دينية استثنائية لدى المسلمين بوصفه أولى القبلتين وثالث المساجد التي لها مكانة خاصة في الإسلام. ولهذا فإن منظمة التعاون الإسلامي نفسها تربط نشأتها عام 1969 بقضية القدس والمسجد الأقصى، وقد جعلت قضية فلسطين والقدس من صميم عملها المؤسسي. كما تؤكد المنظمة في مواقفها الرسمية الحديثة أن القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية تمثل قضية مركزية للعالم الإسلامي، مع التأكيد في الوقت نفسه على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وهنا تحديداً أرى أن علينا أن نتوقف عند الفرق بين فلسطين باعتبارها وطناً وشعباً وحقوقاً سياسية وقانونية، وبين القدس باعتبارها مدينة ذات مكانة دينية وحضارية تتجاوز حدود فلسطين والعالم العربي. ففلسطين قضية شعب يعيش على أرضه ويطالب بحقوقه الوطنية، بما في ذلك تقرير المصير وإقامة دولته، بينما القدس قضية ذات أبعاد فلسطينية وعربية وإسلامية ومسيحية ودولية متداخلة. والمسجد الأقصى تحديداً يحمل بعداً إسلامياً عالمياً لا يمكن اختزاله في البعد السياسي الفلسطيني، تماماً كما أن الأماكن المقدسة المسيحية في القدس تمنح المدينة بعداً مسيحياً عالمياً أيضاً. ولذلك فإن اختزال القدس في أنها مجرد قضية عربية، أو اختزالها في أنها مجرد قضية فلسطينية، لا يعكس كل أبعادها. وفي المقابل، فإن قضية الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته ليست قضية دينية إسلامية بالمعنى الضيق، وإنما هي قبل كل شيء قضية عربية وسياسية وقانونية لشعب فلسطيني. ولهذا فإن التعامل معها بوصفها «قضية إسلامية فقط» قد يؤدي إلى إغفال طبيعتها الوطنية الفلسطينية والعربية، كما أن التعامل معها بوصفها «قضية عربية فقط» قد يؤدي إلى إغفال مكانة القدس والأقصى في الوجدان الإسلامي العالمي. وهذا التمييز ليس مجرد تصور نظري، بل يمكن ملاحظة شيء منه في المؤسسات والمواقف الرسمية القائمة بالفعل. فمنظمة التعاون الإسلامي تؤكد في وثائقها الحديثة على مركزية القضية الفلسطينية والقدس للعالم الإسلامي، وفي الوقت نفسه تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية (أي ليس القدس كلها). وهنتظهر أهمية إعادة قراءة ما نسميه اليوم «القضية الفلسطينية». فقد تكون التسمية الواحدة قد أخفت تعدد مستويات القضية. هناك أولاً قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، وهناك ثانياً قضية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهناك ثالثاً قضية القدس، وهناك رابعاً قضية المسجد الأقصى والأماكن المقدسة، وهناك خامساً قضية اللاجئين، وهناك سادساً قضية الأمن والسلام والعلاقات الإقليمية والسيطرة الدولية. وكل واحدة من هذه القضايا لها أطرافها وأدواتها القانونية والسياسية والدبلوماسية، وإن كانت جميعها مترابطة في التسوية النهائية.