القصيم.. أربع سنوات أخرى من التنمية والازدهار – محمد بن عبدالله  العتيق

استقبلت منطقة القصيم خبر صدور الأمر الملكي بتمديد خدمة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز أميراً لمنطقة القصيم لمدة أربع سنوات قادمة، وهو خبر استقبلناه بفرح وتقدير، لما يعنيه من استمرار لمرحلة عشنا تفاصيلها خلال السنوات الماضية، ورأينا خلالها كثيراً من صور العمل والتنمية في مختلف المجالات.

استوقفني الخبر ككاتب من أبناء هذه المنطقة، يكتب في صحيفة الجزيرة العريقة، وأخذني إلى سنوات مضت عشنا فيها تفاصيل كثيرة من العمل والتنمية. وليس هذا حديثاً يستقصي المنجزات واحداً واحداً، فذلك أوسع من أن تحتويه مقالة، وإنما هي وقفة عند بعض ما عايشناه ورأيناه في مدن القصيم ومحافظاتها ومراكزها، وفي مجالات متعددة تمس حياة الناس وتلامس مستقبل المنطقة.

وأتذكر هنا ما قاله سمو الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز في أحد اللقاءات التلفزيونية التي تحدث فيها عن رؤيته للعمل، حين قال إن الأفعال هي التي ستتحدث عن النهضة والتطوير. لا أتذكر على وجه الدقة تاريخ ذلك اللقاء، لكن العبارة بقيت في ذاكرتي، وربما لأن الأيام هي التي أعطت هذه العبارة معناها؛ فالأعمال في نهاية الأمر هي التي تبقى في ذاكرة الناس، وهي التي يمكن أن يلمسها المواطن في حياته اليومية.

وقد تشرفت بلقاء سموه الكريم في مناسبات عدة، وكان لي شرف الحديث معه، وفي كل مرة كان الحديث يأخذني إلى اهتمامه بتفاصيل المنطقة وما تحتاج إليه، وهو ما يجعلني أكتب عن هذا الأمر من زاوية مختلفة عن مجرد قراءة خبر أو متابعة مناسبة.

ومن يتابع ما شهدته القصيم خلال السنوات الماضية يجد أن التنمية لم تتوقف عند مدينة أو محافظة بعينها، وإنما امتدت إلى مساحات واسعة من المنطقة. مشاريع وخدمات وتطوير في المدن والمحافظات، واهتمام بالزراعة والمنتج المحلي، وفعاليات أخذت مكانها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياحية، وأصبحت بعض هذه الفعاليات مرتبطة بهوية المحافظة وما تتميز به من منتج أو موروث.

ولعل مهرجانات التمور من أوضح الأمثلة على ذلك.

فالقصيم ليست مدينة واحدة تقيم مهرجاناً للتمور، وإنما تعددت مهرجانات التمور والفعاليات المرتبطة بها في عدد من المحافظات، من بريدة وعنيزة والمذنب، إلى رياض الخبراء والبكيرية والرس والبدائع والشماسية وغيرها. ولكل محافظة طريقتها في الاحتفاء بمنتجها الزراعي، وفي استثمار الموسم لخدمة المزارعين وتسويق منتجاتهم وفتح أبواب للعمل والاستثمار.

وقد كان لسمو الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز اهتمام بهذه المهرجانات ومتابعة لفعالياتها، وحضوراً في عدد من مناسباتها، ولقاءات مع المزارعين والمهتمين بالقطاع الزراعي. ولم يتوقف الأمر عند التمور، فالقصيم عرفت كذلك مهرجانات وفعاليات للعنب والرمان وغيرها من المنتجات الزراعية التي عرفت بها المنطقة.

هذا التنوع في الفعاليات الزراعية له أثر يتجاوز حدود المهرجان نفسه؛ فالمزارع يجد مساحة لتسويق محصوله، والمنتج المحلي يجد طريقه إلى المستهلك، والشباب يجدون فرصاً للعمل، وتتحول مواسم الزراعة إلى مناسبات اقتصادية واجتماعية ينتظرها الناس كل عام.

والأمر نفسه يمكن أن يقال عن التعليم، فالتعليم في القصيم كان حاضراً في الاهتمام، ومن الملفات التي تستحق التوقف عندها ملف الأوقاف التعليمية، وما قدمه رجال الأعمال وأهل الخير في المنطقة من مبادرات لإنشاء أوقاف تخدم التعليم وتدعم برامجه ومشروعاته. وقد تجاوز عدد الأوقاف التعليمية في المنطقة 68 وقفاً، بقيمة تتخطى 400 مليون ريال، وهو ما يعكس حضوراً لافتاً للمبادرة المجتمعية، ودوراً مهماً لرجال الأعمال في الإسهام في خدمة التعليم.

وكان لتشجيع ومباركة سمو الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز لهذه المبادرات أثر في تعزيز هذا الاتجاه. فالوقف التعليمي مورد يبقى أثره، ويمكن أن تستفيد منه أجيال متعاقبة، ولذلك فإن انتشار مثل هذه المبادرات في المنطقة يستحق أن يحظى بالمزيد من العناية والتوسع.

وفي الصحة قصة أخرى من قصص المتابعة والاهتمام

ومن المواقف التي بقيت في الذاكرة زيارة مفاجئة قام بها سمو الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز لعدد من المنشآت الصحية، في زيارة لم تكن قائمة على برنامج طويل من الاستعدادات والتجهيزات، وإنما جاءت للوقوف على واقع الخدمة كما هي. وخلال الزيارة رصد سموه عدداً من الملاحظات المتعلقة بالأداء والخدمة، وتبعتها متابعة لمعالجة تلك الملاحظات والارتقاء بمستوى العمل.

وأهمية مثل هذه الزيارات أنها تضع المسؤول أمام الواقع مباشرة. فالزيارة المعدة سلفاً قد يرى فيها المسؤول ما أعد له، أما الزيارة المفاجئة فتترك المجال مفتوحاً لأن يرى ويسأل ويستمع بنفسه. وربما كان هذا أحد المواقف التي تجعلنا نتذكر أن ما يصل إلى الناس عبر الصور والأخبار ليس كل الحكاية؛ فهناك تفاصيل تراها العين ولا تلتقطها الكاميرا، وأحاديث لا تظهر في الصورة، وملاحظات لا يعرفها إلا من كان حاضراً في المكان.

ومع مرور السنوات، استمر الاهتمام بالقطاع الصحي، من المشاريع والمنشآت إلى تطوير الخدمات والارتقاء بجودتها، إلى متابعة ما يشهده القطاع الصحي في المملكة من تحول وتطوير. وأحياناً وأنت تتابع ملفاً من ملفات المنطقة يخيل لك أن هذا الملف حظي بعناية خاصة، ثم تنتقل إلى التعليم أو الزراعة أو السياحة أو غيرها، فتجد المتابعة ذاتها. وهذا في ظني ما يجعل الحديث عن تجربة التنمية في القصيم حديثاً عن مجالات كثيرة، لا عن مجال واحد.

وكذلك الحال في الفعاليات والمناسبات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. فقد أصبحت القصيم تستضيف عدداً متزايداً من الفعاليات والمهرجانات، وأخذت محافظاتها تبني حضورها من خلال ما تتميز به من منتجات وموروث ومواقع وطاقات بشرية. وأصبح من الممكن أن تجد في موسم واحد فعالية زراعية في محافظة، وفعالية تراثية في أخرى، ونشاطاً سياحياً أو اقتصادياً في محافظة ثالثة.

وهذه التفاصيل كلها، حين تجتمع، تعطي صورة أوسع عن منطقة تتغير وتتقدم، وتكبر معها احتياجات أهلها وطموحاتهم. فما كان مناسباً قبل سنوات قد لا يكون كافياً اليوم، وما كان حلماً بالأمس قد يصبح غدا مطلباً طبيعياً.

من هنا فإن السنوات الأربع المقبلة تحمل معها تطلعات واسعة لأبناء القصيم. تطلعات إلى مزيد من المشاريع النوعية، وإلى فرص أوسع لشباب وشابات المنطقة، وإلى دعم أكبر للزراعة والمنتجات المحلية، وإلى تطوير المدن والمحافظات، والارتقاء بالخدمات الصحية والتعليمية، وتعزيز السياحة والفعاليات والاستثمار.

وتبقى التنمية المتوازنة بين محافظات المنطقة ومراكزها من الأمور التي يتطلع إليها أبناء القصيم، بحيث يجد كل جزء من المنطقة نصيبه من المشاريع والخدمات والفرص، وأن تستمر الجهود في تحويل ما تملكه القصيم من مقومات زراعية وتراثية وسياحية، ومن طاقات بشرية، إلى فرص اقتصادية وتنموية تستمر آثارها لسنوات طويلة.