القراءة من أجل الحرية والاستمتاع – رقية نبيل عبيد

قد نتحدث من هنا حتى الغد عن أهمية القراءة، وأهمية اكتساب مفردات جديدة، وعن كون اللغة العربية لغتنا التي ينبغي أن نحافظ عليها للأجيال الجديدة، ولن تجد أحدهم يستمع إليك أو يكترث أدنى اكتراث للغة العربية! لأن الحقيقة التي ننساها، الحقيقة التي يجب أن نركز عليها وننتبه إليها، هي أن اكتساب الأشياء الجديدة وترسيخها في ذهن المتلقي، وزرعها عميقًا في عقله اللاواعي حتى تصبح بحق مخزونًا ثريًا ممتلئًا لديه، يستطيع الاغتراف منه متى شاء؛ كل هذا لا يتحقق إلا بشيء يستمتع صاحبه به، يستمتع به حقًا، ويرافقه شطرًا كافيًا من حياته ليؤثر فيه ويغرس في فكره.

كما أنني لا أحب ما أسميه «تجميد الكلمات»؛ تأخذ كلمات حية ملونة زاهية وتضعها في قوالب ثلجية. هذا ما يحصل حينما أضع القراءة في مصطلحات مثل: «ما أجمل القراءة»، و«القراءة تكسبك مفردات جديدة وتغني محصولك اللغوي»، مثلًا. هكذا صارت القراءة، هذا الفعل الحي النشط، هذا الذي يفتح لك أبوابًا نحو حيوات ما سبق لك أن عشتها ولا رأيتها، ونحو أناس ما سبق لك أن عاشرتهم ولا رأيتهم، ثم تأتي أنت بهذه القوالب الاصطلاحية الجاهزة التي أكل عليها الزمن وشرب وتجمّدها؛ فتجعلها أقرب إلى لوح ثلجي يُصبّ في صدرك، فلا تشعر بشيء سوى البرودة الشديدة والنفور!

قيود النقد المدرسي وأثره في الشعور الأدبي

في أثناء دراستي في الثانوية كانت هناك قوالب جاهزة مصبوبة لتناول أي موضوع أدبي ونقده: ما عاطفة الشاعر؟ كيف تناول مقدمة النص؟ كيف عالج المشكلة الفلانية؟ وكيف تصرف تجاه الموضوع العلاني؟

قوالب ثلجية تصيبك بالقشعريرة حتى في مثل هذا الجو الحار الملتهب الذي نعيشه! كنت أقول في نفسي: والله إن الشاعر لا يدري عنا شيئًا! ولو علم أننا سنفكك كلماته هكذا لبردت وخمدت أحرفه من فورها، ولما استطاع أن يكتب بيتًا من مخطوطته الشعرية المتأججة نارًا!

التجربة الحرة في الكتابة والتفلت من القوالب

حتى في دراستنا للمقال، كان المقال عبارة عن قالب مصبوب: أولًا لا بد أن تكتب المقدمة، ثم متن الموضوع، ثم الخاتمة. وكنت أنحت رأسي حرفيًا في محاولة لاستخراج مقدمة أفتتح بها الموضوع الفلاني؛ إذ لا يمكن، لا سمح الله، أن أطرق الموضوع مباشرة، حتى أكاد أنسى الهدف من الموضوع وفكرته، وتتلاشى كلماتي قبل أن تبدأ.

لهذا، لما كبرت كثيرًا وخفّت أحمال الدراسة من فوق كتفي، وأردت الحديث عن رواية ما تركت أثرًا ينخر صدري، فتحت دفتري وبدأت الحديث فورًا، دون أن أفكر ودون أن أتقيد بالمقدمة التي تعوقني وتكبل يدي. كلما عنّت بوادر فكرة في ذهني كنت ببساطة أدونها، وكلما استثار فيّ الحديث ذكرى كتبتها قبل أن تبرد حرارتها. ثم لما ختمت الرواية التي أقرؤها، كتبت كلمة ختامية تصف ما أشعر به وأنا أودع الكلمات وصاحبها وأغلق من ورائي أبوابها.

نظرت بعدها إلى مسودتي الملطخة بالألوان، ولم أصدق عيني! ها هي ذي: المقدمة ثم المتن فالخاتمة، تمامًا كما قالوا. حينما تركت لنفسي عنانها، انثالت منها دون تفكير، وكتبتها بشعورها وطريقتها الخاصة وبنار متأججة موقدة. فهمت وقتها أنه ربما لم يكن العيب في القالب المصبوب، بل في طريقة إيصال فكرته والحرص عليه أولًا، وكأن نصك إذا ما أهملته معطوب خرب!

شرطا الاكتساب اللغوي: الاستمتاع والمصاحبة

نعود إلى فكرة القراءة وتوليد المفردات واستيعابها. حتى تستطيع أن تجد مصدرًا يمدك بمفردات جديدة، ويحببك في القراءة، ويعينك على فهم كلماتها، لا بد أن يكون مصدرًا تستمتع به بكل خلية من وجدانك، ويصاحبك فترة من الزمن طويلة بما يكفي حتى يتغلغل في ذهنك ويحدث التأثير المطلوب.

وهنا سوف أتحدث عن عدة مصادر قد تتوافر فيها هاتان السمتان المهمتان: الاستمتاع والمصاحبة:

الأول: تجربة أثرت في الوطن العربي قاطبة، وهي «سبيستون».

تباين الفطرة الموهوبة واختلاف الشغف البشري

ثم دعونا نتحدث أخيرًا عن القراءة، وقد تركتها آخر مصدر رغم أنها أهمها، وذلك لأنني أتخوف دومًا من حديثي عن القراءة. أعرف أناسًا يعشقون الرياضيات، ويحصدون متعة لا مثيل لها من فك رموز المعادلات الرياضية وشفراتها. هؤلاء الناس، رغم قربهم الشديد مني، كنت أراهم أقرب إلى الكائنات الفضائية! نوع من العشق يستحيل عليّ فهمه، وعلاقة غامضة عجيبة يطيب لي دراستها تحت المجهر!

هكذا تعلمت دومًا أن هناك أراضي في هذا العالم الواسع لن تطأها قدماي قط حتى لو حاولت. نحن نولد في الدنيا بجينات تحمل عناصر جذب ونفور من تلقاء نفسها، ونسرح في أطرافها الواسعة ونحن نميل إلى هذا وننفر من ذاك.

ما الذي حدا بشخصية مثل ماري كوري، التي ولدت في زمن كان الرجال يهيمنون فيه على مجالات الدراسة والبحث العلمي، إلى أن تصبح عالمة، وتشارك في اكتشاف عنصري البولونيوم والراديوم، وتحصل على جائزة نوبل لا مرة واحدة، بل مرتين؟ وماذا عن بيتهوفن في الموسيقى، وآينشتاين في الفيزياء، والمتنبي في الشعر؟ كل هؤلاء ولدوا وبذور مواهبهم كامنة في داخلهم!

وكان جرير والفرزدق، شاعرا العصر الأموي الشهيران، معروفين بسجالاتهما الشعرية، وكان يقال إن جريرًا «يغرف من بحر»، في حين أن الفرزدق «ينحت من صخر»؛ تعبيرًا عن اختلاف طبيعة القريحة الشعرية لديهما. ولعل هذا يذكرنا بأن الموهبة والاستعداد الفطريين لا يصنعهما التعليم وحده.

لماذا أذكر هذه المقدمة التي طالت كثيرًا؟ لأنني أعشق القراءة. عشقتها منذ وعيت أنني أنا على هذه الدنيا، عشقتها وأنا لم أتعلم بعد كيف أفرق بين الألف وكوز الذرة، كما يقال. كنت آخذ مجلة «ماجد»، والصور تلتهمها عيناي في نهم، وأخلق منها قصصًا غير تلك المكتوبة؛ لأنني ببساطة لم أستطع بعد أن أقرأ المكتوب. وربما كان لتعليم أمي، حفظها الله، لي القراءة والكتابة أثر في نفسي يشبه ما أحدثه اكتشاف البشرية للنار!

بدأت بقراءة الروايات في التاسعة، وكنت كلما عرضت لي مفردة جديدة أُخذت بجمالها، وتسحرني تركيبتها ووقعها في أذني قبل حتى أن أهتدي إلى معناها. نعم، القراءة كانت طريقتي الأعظم تأثيرًا في اكتساب مفردات جديدة، أما فهمها واستيعابها فكانا يأتيان آنيًا أو لاحقًا؛ بمعنى أنني كنت إما أن أستوعب ما أقرأ استيعابًا مجزيًا، وإما أن تأتي مرحلة الفهم لاحقًا.

لكن الاستمتاع والدوبامين والأدرينالين وكل ما ينتهي بـ«لين» ويتعلق بالإثارة البالغة والاستمتاع غير المتناهي، كنت أُشحن به فور قراءتي أي رواية. هكذا عهدتني دون محاولة أو اجتهاد مني. ثم كبرت واكتشفت أننا لسنا جميعًا على الطريق ذاته، وأن القراءة بالنسبة إلى أناس آخرين مثلها مثل المعادلات الرياضية عندي! شيء خارق غير مفهوم يستحيل التودد إليه!

مريم مثلًا، حبيبتي وحبة قلبي وتفاحة فؤادي، بدأت بتعليمها الخط والكتابة والقراءة وإمساك القلم بين أصابعها الصغيرة منذ كانت في الثالثة والنصف من عمرها. أردت منحها المفتاح باكرًا، وأنا في شوق لأتعرف إلى الأبواب التي ستفتحها به.

ثم مضت السنوات تترى، واستطعت أخيرًا أن أقر وأعترف بأنها حبيبتي وقرة عيني، رغم سلامة لغتها وجمال قراءتها، لا تستمتع بالقراءة بقدر ما كنت أستمتع بها في مثل عمرها، وأن قصة بين يديها قد لا تثير لديها شغفًا ولا أي أشواق لمعرفة خاتمتها. كانت قناة «ماجد» طريقتها للتعرف إلى جمال اللغة العربية وسحر كلماتها. قنعت بهذا، وأملت أن ترى المزيد في القراءة حينما تكبر.