صدح بها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين: «التعليم كالماء والهواء، حق لكل مواطن»، ففي بيت عربي عادي، على بعد خطوات من صالة رياضية مكتظة بالأجهزة الحديثة، يجلس صبي في الرابعة عشرة أمام شاشته، يطلب من نموذج ذكاء اصطناعي أن يكتب له بحثاً عن التغيّر المناخي في أقل من دقيقتين، يطبعه، يسلّمه، وينتقل مباشرة إلى تدريب كرة القدم مع فريقه، حيث سيقضي ساعتين يتعرّق فيهما ويتألم ويعيد المحاولة عشرات المرات. لن يسأله أحد لماذا لم يفوّض الجري لدراجة كهربائية، لكن أيضاً لم يسأله أحد لماذا فوّض التفكير لآلة، هذا المشهد، المُتكرر يومياً في عشرات ملايين البيوت من الشرق للغرب، يختصر السؤال الذي بات يقلق كل من يعمل في التعليم العربي اليوم: هل يمكن أن يصبح الفصل الدراسي أقرب إلى الصالة الرياضية؟ أن نتعامل مع التفكير كما نتعامل مع العضلات، مجهوداً نختاره طوعاً لأننا نعرف أن قيمته في الجهد نفسه لا في النتيجة وحدها؟.
من التلقين إلى الحيرة: لعقود، بُني التعليم في كثير من دولنا العربية على منطق الحفظ والاسترجاع: (منهج يُلقَّن، وامتحان يقيس مدى القدرة على استعادته حرفياً). وكانت الدرجة هي الجائزة، والشهادة هي الهدف النهائي، والعلاقة بين الطالب والمعرفة علاقة وظيفية أكثر منها علاقة شغف، ليأتي الذكاء الاصطناعي التوليدي ويكشف هشاشة هذا العقد القديم، إذا كانت الدرجة هي الغاية، وأصبحت آلة قادرة على تحقيقها في ثوانٍ، فلم يعد الاستعانة بها غشاً بقدر ما هي، من منظور الطالب، كفاءة منطقية بحتة، والمشكلة ليست في الطالب، بل في نظام ارتضى لعقود أن يكون الهدف هو الورقة لا العقل الذي يحملها.
والأرقام تؤكد أن هذه الموجة ليست افتراضاً، بل واقع يتشكل بسرعة لافتة، نراها في مجتمعاتنا، ففي مصر وحدها، استخدم نحو 14.8 % من السكان في سن العمل الذكاء الاصطناعي التوليدي بنشاط خلال الربع الأول من عام 2026، مُرتفعاً من 13.4 % في الفترة السابقة، بحسب تقرير لشركة مايكروسوفت غطّى أكثر من مئة سوق حول العالم. وفي دولة الإمارات، بدأ تدريس مادة الذكاء الاصطناعي رسمياً في المدارس الحكومية اعتباراً من العام الدراسي 2025-2026، بدءًا من رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر، بالتنسيق مع مؤسسات التعليم العالي لضمان انتقال سلس للطالب نحو الجامعة وسوق العمل. والسعودية، تهيئ نحو ستة ملايين طالب وطالبة لدخول عالم الذكاء الاصطناعي ضمن جهود الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا». هذه خطوات جادة تستحق التقدير، لكنها تجيب عن سؤال «كيف نستخدم الآلة؟» أكثر مما تجيب عن السؤال الأعمق: ماذا سيبقى للعقل العربي حين تتوقف الآلة عن التفكير نيابة عنه؟
سباق لا ينتظر أحداً: المقارنة مع تجارب أخرى تكشف حجم التحدي الحقيقي. منذ سبتمبر 2025، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي مادة إجبارية لكل طلاب الصين ابتداءً من سن السادسة، إلى جانب الرياضيات، مع التزام مدارس بكين بثماني ساعات سنوياً على الأقل من دروس الذكاء الاصطناعي عبر منصات تعلّم تكيفي متقدمة، غير ان نفس التقارير تحذّر من أن الجوانب الأخلاقية وخصوصية البيانات وتكافؤ الفرص لم تواكب سرعة هذا التوسع، وهو تحذير يستحق أن يُقرأ جيداً في المنطقة العربية قبل أن تتكرر الفجوة نفسها، فالمؤشرات الدولية، من جهتها، تضع الدول العربية في موقع الطموح لا الريادة بعد، فمثلاً مؤشر الذكاء الاصطناعي العالمي الصادر عن مؤسسة «تورتويس إنتليجنس» يضع الإمارات في المرتبة 28 عالمياً والسعودية في المرتبة 31 وقطر في المرتبة 42، فيما يضعها مؤشر صندوق النقد الدولي للاستعداد لتبني الذكاء الاصطناعي في المراتب 36 و45 و54 على التوالي. أرقام تعني أن المنطقة تركض بجدية، لكنها لم تتصدّر السباق بعد.
وفي المقابل، تُحذّر تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي من أن ثلث المهام حول العالم سيُنجَز عبر التكنولوجيا وحدها، وثلثاً آخر بالتعاون المباشر بين البشر والآلات، بحلول عام 2030. بعبارة أخرى: لن يُسأل خريجو المنطقة العربية بعد أربع سنوات فقط عمّا حفظوه، بل عمّا يستطيعون فعله حين تصمت الآلة، والرهان هنا مضاعف، لأن المنطقة العربية تملك ما لا تملكه كثير من الأمم: فنحو 60 % من سكان العالم العربي دون سن الثلاثين. هذا الثقل الديموغرافي إما أن يتحول إلى أكبر ميزة تنافسية شهدتها المنطقة منذ عقود، أو إلى أكبر أزمة عطالة فكرية إذا تُركت أجيال بأكملها تكبر، وهي تظن أن التفكير مهمة يمكن إسنادها لتطبيق على الهاتف.
بناء صالة للعقل: الحل ليس في منع الطلاب من استخدام هذه الأدوات، فهذا سباق خاسر سلفاً، تماماً كما لا يمكن منع صعود المصعد لمن يملك مُفتاحه. الحل في إعادة تصميم «التمرين» نفسه، بحيث تصبح المهمة صعبة بالقدر الذي يجعل استخدام الآلة مكلفاً فكرياً لا موفّراً للجهد. مناقشة شفوية لا يمكن للآلة أن تخوضها نيابة عن الطالب، مشروع يُبنى على مراحل يُطلب فيها تبرير كل قرار، امتحان يُعاد بعد تصحيح الفهم لا بعد حفظ الإجابة الصحيحة فقط - هذه كلها أدوات مقاومة، أقرب إلى إضافة وزن على البار منها إلى منع الرياضي من دخول الصالة أصلاً.
بعض الجامعات في المنطقة بدأت فعلاً تجريب هذا المنطق: تقييمات تعتمد على العرض الشفوي، مشاريع تتطلب دفاعاً علنياً عن الفكرة أمام الزملاء، ومساحات صفية تحاكي التمرين الجماعي أكثر مما تحاكي المحاضرة الفردية. خطوات في الاتجاه الصحيح، لكنها ما زالت استثناء لا قاعدة، ومحصورة غالباً في مؤسسات النخبة دون أن تصل إلى عموم المدارس الحكومية، والمفارقة أن العرب سبقوا العالم يوماً إلى هذا المنطق بالذات. لم تكن «بيت الحكمة» في بغداد مجرد مكتبة، بل كانت مساحة تمرين جماعي على الجدل والترجمة والتدقيق، يتنافس فيها العلماء على تفكيك النصوص قبل نقلها لا على حفظها. لم يكن المنهج فيها تلقيناً، بل مساءلة متواصلة لا تهدأ. تلك الروح، لا تفاصيل ذلك العصر، هي ما يستحق أن يُستعاد اليوم، قبل أن نستورد حلولاً جاهزة لا تشبه واقعنا الديموغرافي ولا لغتنا ولا أولوياتنا التنموية.
من يملك التمرين يملك المستقبل: في أحد لقاءاته الشهيرة، صاغ الاقتصادي كلاوس شواب، مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي، عبارة تختصر منطق هذا العصر: «لن يأكل الكبير الصغير بعد اليوم، بل سيأكل السريع البطيء». الدول العربية ليست الأصغر ولا الأفقر موارد في هذا السباق، لكنها مطالَبة أن تكون الأسرع في إعادة تعريف ما تعنيه المدرسة، قبل أن تحسم الآلة السؤال نيابة عنها. والخيار الحقيقي أمام صناع القرار في التعليم العربي ليس بين منع الذكاء الاصطناعي أو الاستسلام الكامل له، بل بين فصل يعلّم الطلاب كيف يفوّضون تفكيرهم، وفصل يعلّمهم كيف يدرّبونه. الأول يُخرّج جيلاً يجيد الأسئلة الجاهزة والإجابات الجاهزة. والثاني وحده القادر على أن يصنع جيلاً يستحق ثقل بلاده الشبابي.
قال نيلسون مانديلا يوماً بعبارة ما زالت الأصدق حتى اليوم: «التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم».