القراءة السير ذاتية للرواية السعودية – أ.د.صالح معيض الغامدي

ثمة أكثر من دلالة لمفهوم «القراءة السيرذاتية للرواية»، يمكن تلخيصها فيما يأتي:

1- أن نقرأ الرواية انطلاقًا من معرفتنا بسيرة الكاتب، كما يفعل من يأخذ بالنقد السيري للأعمال الأدبية، وذلك بأن نطلع على سيرة الكاتب، ونحلل عمله الروائي وفقًا لها أو بوحي منها.

2- أن نعتقد جازمين أن عمل الكاتب الروائي ما هو إلا سيرته الذاتية الحقيقية، وقد اختار، لسبب أو لآخر، من أسباب لا مجال لسردها هنا، أن يسردها على أنها رواية أو في قالب روائي، وما علينا إلا أن نزيل قناع الرواية عنها لنقف على سيرة الكاتب الذاتية خلفه.

3- يمكن أن نضيف نوعًا ثالثًا، وهو قليل الورود، لكنه موجود: أن يقرأ القارئ الرواية كما لو كانت سيرته الذاتية هو. ففي هذا النوع من القراءة، يستدعي قارئ الرواية حياته الشخصية، ويدمجها كلها، أو بعض أبعادها على الأقل، في قراءته، ويصبح منغمسًا في الرواية وأحداثها كأنه جزء منها. وقد يتقمص هذا القارئ شخصية واحدة أو أكثر من شخصيات الرواية أثناء قراءتها، ويربطها بتجاربه وعواطفه.

ويهمنا في هذا المقال النوع الثاني، الذي تختلف الأوصاف والمصطلحات التي توظف لتسمية هذا النوع السردي أثناء قراءته، ومنها:

أما من يقوم بفعل القراءة، فقد يكون قارئًا عاديًا، وقد يكون قارئًا عالمًا أو ناقدًا. وبالنسبة إلى القارئ الأول، نرى أن من حقه أن يقرأ العمل ويتذوقه كما يحب، ولا لوم عليه في ذلك، ما دام هذا النوع من القراءة السيرذاتية يمتعه ويروق له شخصيًا، ولا نستطيع ثنيه عن قراءة الأعمال الروائية قراءة سيرذاتية.

أما بالنسبة إلى القارئ الناقد الذي يكتب عما يقرأ، ويحلل الأعمال الروائية بوصفها سيرًا ذاتية صريحة أو مقنعة، فنقول له إن عمله هذا، أقصد قراءته هذه، ربما يكون أحيانًا مفهومًا، لكنه ليس مشروعًا نقديًا وعلميًا. فإذا ما قرر المؤلف أو صرح بأنه يكتب رواية، أو حتى إذا لم يصرح بأنه يكتب سيرة ذاتية، فليس من حق الناقد قراءتها بوصفها سيرة ذاتية، إن أراد أن تكون قراءته قوية ومقنعة ومثرية للعمل الروائي، وقبل هذا وذاك مشروعة.

وقد سبق لي أن اهتممت بهذه الظاهرة ودرستها قبل أكثر من 24 عامًا، أعني قراءة الروايات السعودية بوصفها سيرًا ذاتية، وكتبت عنها بحثًا نشر في «علامات» عام 2004 بعنوان «سيرذاتية الرواية العربية السعودية»، تتبعت فيه نشوء هذا النوع من القراءات التي مارسها النقاد، وعلى رأسهم أستاذي الدكتور منصور الحازمي، شفاه الله، في دراساته وكتبه، ومنها «فن القصة» (1981م)، وفي مقدمته لكتاب «الرواية» في موسوعة الأدب السعودي (2000م). وتلاه في هذا المنحى عدد من النقاد، منهم الدكتور محمد الشنطي، والدكتور سلطان القحطاني، والدكتور حسن الحازمي، والدكتور حسين المناصرة، والدكتور معجب الزهراني، وربما آخرون كثر غيرهم.

كما ناقشت في بحثي هذا آراء المبدعين أنفسهم ومواقفهم من قراءة رواياتهم قراءة سيرذاتية، مثل محمد علوان، وعبده خال، وتركي الحمد، وغازي القصيبي، وكادوا يجمعون على استنكار هذا النوع من القراءة ورفضه آنذاك. وربما يكون من الموضوعية أن أشير هنا إلى أن الفترة التي تلت كتابة هذا البحث قد أظهرت لي بعض التفاوت اليسير في مواقف المبدعين من القراءة السيرذاتية لأعمالهم. فبعد أن كانوا يتبنون موقفًا رافضًا واحدًا، بدأت تظهر مواقف أخرى لا بد أن نشير إليها هنا، ونذكر هذا التصنيف الجديد الذي لاحظناه في مواقف بعض مبدعي الرواية من القراءة السيرذاتية لأعمالهم الروائية:

1- الموقف الرافض تمامًا، ويمثله هنا عبده خال، الذي ما زال متمسكًا بموقفه هذا. فقد سألته، في لقاء أقامته معه جمعية بيادر بعنوان «حكاية تجربة» قبل أيام، عن موقفه من القراءة السيرذاتية لرواياته، فأنكرها، ووصف من يقرأ الرواية على أنها سيرة ذاتية بأنه «قارئ مدمر»، أو بأنه يقوم بدور تدميري للعمل الروائي.

2- موقف الصمت والامتناع عن إبداء الرأي، ولنا أن نجتهد نحن القراء في تخمينه.

3- موقف زئبقي وغامض ومراوغ، يمكن أن يفهم إيجابيًا وسلبيًا، أو بوصفه موقفًا مؤيدًا ومعارضًا في آن واحد؛ فيقول الكاتب: رواياتي ليست سيرًا ذاتية، ولكن قد يكون فيها شيء مني أو من تجربتي الحياتية هنا وهناك!

4- موقف اعترافي بأن الرواية هي سيرته الذاتية، كتبت بتقنيات سردية روائية، فهي سيرة ذاتية روائية «سيروائية».

5- موقف اعترافي بأن روايته قد وظفت بعض تقنيات السيرة الذاتية، مثل ضمير المتكلم والاسترجاع وغيرهما، ولكنها ليست سيرة ذاتية، بل رواية.

6- موقف اعترافي مراوغ، وهو أن يعترف الكاتب بأنه يكتب سيرته الذاتية، ولكنه يكتبها بطريقة متخيلة؛ فهو يقول: هذا أنا، ولست أنا. وهذا ما يسمى الآن بالتخييل الذاتي، الذي ابتكره أو صاغه دوبروفسكي نوعًا سرديًا ذاتيًا عام 1977. وهذا النوع الكتابي الذاتي آخذ في الانتشار في العالم، وفي عالمنا العربي، وفي أدبنا السعودي. وربما جاء حلًا عادلًا، أو غير عادل حسب وجهة نظر كل منا، لفض الاشتباك بين السيرة الذاتية والرواية، إذ بدد، أو خفف على الأقل، هذه الحدية أو الانفصام التام بين الرواية والسيرة الذاتية. ويمكن التمثيل له هنا في السعودية بكتاب سعيد السريحي «خارج الأقواس: سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد».

وناقشت أيضًا، في بحثي المشار إليه آنفًا، المسوغات والدلائل السيرذاتية الداخلية والخارجية في بعض الأعمال الروائية السعودية التي تغري بقراءتها قراءة سيرذاتية، مثل: توظيف ضمير المتكلم الذي يوحي أو يوهم بالتطابق بين المؤلف والسارد والبطل، والمكونات المكانية والزمانية في الرواية وعلاقتها بالبطل، والتاريخ الشخصي للكاتب «سيرته»، والوعي الكتابي للمبدع في الرواية، أعني الحديث عن تجربة الإبداع في روايته، ومقولة كليف جميس بأن الرواية الأولى «لا بد أن تكون سيرة ذاتية لكاتبها»، وما يرد في بعض عتبات الروايات، مثل العناوين والاستهلالات والتنبيهات وغيرها.

كما أشرت في بحثي وحذرت، وما زلت أشير وأحذر، ولو بدرجة أخف مما تبنيته سابقًا، من جناية المبالغة في توظيف النقد أو القراءة السيرذاتية للرواية على كل من العمل الروائي ومبدعه. فالقراءة السيرذاتية للعمل الروائي تكون في كثير من الأحيان سطحية، تقزم العمل وتفقره، وذلك من خلال التركيز غالبًا على دراسة الجانب الفكري أو المضموني فيه، وإهمال تحليل التقنيات السردية والأبعاد التخييلية للنص الروائي. أما جنايتها على المبدع، فتتمثل في خطورة الربط الحرفي بين كاتب الرواية وأبطال رواياته، ربطًا يوقع الكاتب في حرج كبير مع نفسه ومع مجتمعه، وبخاصة عندما تتحول القراءة السيرذاتية للرواية إلى محاكمة اجتماعية أو أخلاقية للمبدعين.

ولكن هل خف الآن هذا التوجه النقدي السيرذاتي في قراءة الرواية السعودية؟ الحقيقة أنه لم يخف، بل ازداد كثيرًا؛ فقد قمت بإجراء بحث سريع حوله، ووجدت عشرات البحوث والرسائل العلمية التي كتبت حول قراءة كثير من الروايات السعودية قراءة سيرذاتية. ولعل المقام هنا يحول دون ذكرها جميعًا، ولكني سأشير إلى بعضها بوصفها نماذج للقراءات والدراسات النقدية التي قامت على فرضية تذويت الكتابة، أي تداخل الرواية مع السيرة الذاتية:

1- «تجليات السيرذاتي وهوية النص في رواية مفترق العتمة لمحمد المزيني»، لسامية مسفر الهاجري.