القبعات الزرق تنحسر في أفريقيا… من يملأ الفراغ الأمني؟

تتراجع قدرة بعثات الأمم المتحدة على أداء مهماتها في أفريقيا، تحت وطأة أزمة مالية متفاقمة واعتراضات سياسية دفعت بعض الحكومات إلى المطالبة بانسحابها. ومع تقلص الحضور الدولي في مناطق تعاني نزاعات مسلحة وهشاشة أمنية، تتزايد المخاوف من اتساع الفراغ الذي تتركه هذه القوات، وسط تساؤلات عن قدرة الاتحاد الأفريقي على تعويضها، خصوصاً مع تنامي حضور قوى عسكرية أجنبية وجماعات مسلحة وشبكات تهريب عابرة للحدود.

وتضع هذه التحولات مستقبل عمليات حفظ السلام أمام معادلة معقدة، إذ تتراجع الموارد المتاحة للبعثات، فيما تتزايد الأخطار التي يُفترض أن تتعامل معها، وتتباين مواقف الحكومات الأفريقية من جدوى استمرار وجودها.

دخلت عمليات حفظ السلام الأممية مرحلة جديدة من التقشف، بعدما أقرت الجمعية العامة موازنة بنحو 5.1 مليارات دولار للسنة المالية 2026–2027، بانخفاض يقارب 10 في المئة عن السنة السابقة.

وكانت المنظمة قد حذرت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي من أن أزمة السيولة تضطر بعثاتها إلى تقليص أنشطتها بنحو 25 في المئة، مع انعكاسات مباشرة على قدرتها على حماية المدنيين وتنفيذ مهماتها الميدانية.

وترتبط الأزمة بتأخر دول أعضاء، وفي مقدمها الولايات المتحدة، في تسديد مساهماتها، إلى جانب ضغوط إدارة الرئيس دونالد ترامب لخفض الإنفاق وإعادة تقييم جدوى البعثات القائمة.

وتنعكس هذه الضغوط على الانتشار العسكري والدعم اللوجستي وحركة الدوريات، ما يثير مخاوف من تراجع القدرة على الاستجابة للأزمات، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على القوات الدولية لحماية المدنيين.

تجاوز انحسار الحضور الأممي أزمة التمويل، بعدما طالبت حكومات أفريقية بإنهاء بعثات كانت تعمل على أراضيها منذ سنوات.

ففي مالي، أنهت بعثة "مينوسما" انسحابها في كانون الأول/ديسمبر 2023، استجابة لطلب السلطات الانتقالية، على خلفية خلافات بشأن أدائها وعلاقتها بالحكومة.

وفي السودان، أنهى مجلس الأمن ولاية بعثة المساعدة الانتقالية السياسية "يونيتامس" في كانون الأول/ديسمبر 2023، بناءً على طلب الحكومة.

ولا تزال بعثات لحفظ السلام تعمل في جمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو الديموقراطية وجنوب السودان والصحراء الغربية، وإن اختلفت صلاحياتها بين حماية المدنيين ودعم الاستقرار ومراقبة وقف إطلاق النار.

وتقول الباحثة والمحللة السياسية المختصة في الشؤون الدولية آسيا العتروس لـ"النهار" إن البعثات الأممية تواجه تحديات تتصل بضعف التمويل وصعوبة ضمان سلامة عناصرها وتعقيدات العمل في مناطق النزاع.

وتشير إلى أن قوات حفظ السلام تخضع لقواعد تحدد استخدام القوة، ولا تستطيع خوض الحروب أو مكافحة الإرهاب بصورة مفتوحة، ما يخلق فجوة بين توقعات السكان وصلاحياتها الفعلية.

وتلفت أيضاً إلى أن اتهامات طاولت أفراداً في بعثات أممية بارتكاب انتهاكات، بينها اعتداءات جنسية، ألحقت ضرراً بسمعة هذه العمليات وأثارت تساؤلات بشأن المحاسبة.

لكن العتروس تستشهد بتجربتي ناميبيا وموزمبيق للتأكيد أن البعثات الأممية ساهمت تاريخياً في إنجاح مسارات السلام ودعم التحولات السياسية.

يطرح تراجع الحضور الأممي تساؤلاً عن قدرة الاتحاد الأفريقي على تولي مسؤوليات أمنية أوسع، في وقت يواجه بدوره نقصاً في التمويل والتجهيز والقدرات العملياتية.

وتبرز أهمية قرار مجلس الأمن الرقم 2719، الصادر عام 2023، الذي يتيح تمويل ما يصل إلى 75 في المئة من تكاليف عمليات سلام يقودها الاتحاد الأفريقي، من خلال مساهمات الأمم المتحدة، وفق شروط وموافقات محددة.

غير أن تحويل هذا الإطار إلى آلية مستدامة لا يزال يواجه عقبات سياسية ومالية. وتقدم الصومال مثالاً بارزاً، إذ تعتمد بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار على مساعدات لوجستية أممية، وسط خلافات بشأن ترتيبات تمويلها واستمرار هذا الدعم.

وترى العتروس أن التعويل على الاتحاد الأفريقي يتطلب تعزيز قدراته البشرية والمالية، وتطوير آليات التدخل والاستجابة، خصوصاً مع استمرار النزاعات والحروب الأهلية في القارة.

تتزامن هذه التحولات مع توسع التعاون العسكري بين دول أفريقية وروسيا، خصوصاً في منطقة الساحل، حيث برزت تشكيلات روسية مرتبطة سابقاً بمجموعة "فاغنر"، قبل انتقال جانب من مهماتها إلى "الفيلق الأفريقي" المرتبط بوزارة الدفاع الروسية.

وتحذر العتروس من أن تراجع الوجود الأممي قد يفسح المجال أمام الجماعات المسلحة وشبكات تهريب السلاح والقوى العسكرية الأخرى، مشيرة إلى اختلاف طبيعة الحضور الروسي وأهدافه من دولة إلى أخرى.

وتكشف هذه التطورات عن معضلة أوسع تواجه القارة. فالحكومات التي تطالب برحيل البعثات الدولية تسعى إلى استعادة السيطرة على قراراتها الأمنية، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحدي توفير البدائل القادرة على حماية السكان وضبط مناطق النزاع.

ومع تضاؤل الموارد الدولية ومحدودية الإمكانات الأفريقية، قد تصبح كلفة انسحاب بعثات السلام أكبر من الوفورات المالية التي تحققها، إذا تُركت المناطق المضطربة أمام صراعات نفوذ جديدة.