تحت رعاية وقيادة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، شهدت العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الأخيرة طفرة نوعية غير مسبوقة؛ إذ حرص الرئيس السيسي منذ توليه المسؤولية على الارتقاء بالعلاقة مع بكين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، عبر زيارات متبادلة متكررة ولقاءات قمة رفيعة المستوى، جعلت من الصين أحد أهم الشركاء الدوليين لمصر في ملفات التنمية والاقتصاد والبنية التحتية.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر - بدعوة من السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي - لتشكل محطة فارقة في مسيرة العلاقات الثنائية الممتدة لنحو سبعة عقود، منذ كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
فهذه الزيارة، وهي الأولى للرئيس الصيني منذ عشر سنوات، تؤكد أن العلاقة بين القاهرة وبكين لم تعد مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية، بل شراكة استراتيجية شاملة صاغها الرئيسان بإرادة سياسية مشتركة، تتسع يومًا بعد يوم لتشمل السياسة والاقتصاد والتنمية والتكنولوجيا، فضلًا عن التنسيق الوثيق إزاء القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وقد توّج السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي والرئيس شي جين بينج مباحثات القمة بينهما بإصدار بيان مشترك موسع، تضمن حزمة واسعة من الاتفاقات والتفاهمات الثنائية، فضلًا عن مواقف سياسية متقدمة تدعم حقوق مصر التنموية والسيادية، وهو ما يجعل هذه الزيارة حدثًا يستحق الوقوف عنده بتحليل معمق لأبعاده ومخرجاته وانعكاساته المستقبلية.
المحور الأول: أهمية الزيارة ودلالات توقيتها
أولًا: الزيارة الأولى منذ عقد.. ورسالة بحد ذاتها
تحمل زيارة الرئيس الصيني إلى مصر، بعد غياب امتد لعشر سنوات منذ زيارته الأولى عام 2016، دلالة سياسية عميقة؛ حيث أن اختيار مصر محطة رئيسية في جولة خارجية رفيعة المستوى، يعكس المكانة التي تحظى بها القاهرة في حسابات السياسة الخارجية الصينية، بوصفها أكبر دولة عربية من حيث الثقل السكاني والحضاري، وصاحبة الدور المحوري في قضايا المنطقة العربية والأفريقية وشرق المتوسط.
وتأتي الزيارة في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، تتسم بتحولات جيوسياسية متسارعة، وصراعات مفتوحة في الإقليم، ومنافسة دولية محتدمة حول النظام العالمي الجديد.
وفي ظل هذه المعطيات، تكتسب الزيارة أهمية مضاعفة؛ إذ تمنح مصر شريكًا دوليًا كبيرًا يدعم مواقفها وثوابتها الوطنية، وتمنح الصين بوابة استراتيجية نحو العالم العربي وأفريقيا عبر الدولة التي تتوسط العالم بموقعها الجغرافي الفريد وتربطه إفريقيا واسيا وأوروبا عبر شريان قناة السويس.
ثالثًا: تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة
ولم تكن الزيارة مجرد لقاء بروتوكولي، بل جاءت لمتابعة تنفيذ اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقع بين البلدين، والارتقاء بها إلى مستويات أعلى، عبر التبادلات رفيعة المستوى، وتفعيل الحوار الاستراتيجي بين وزيري خارجية البلدين، ومواصلة التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي في مختلف الملفات، وهو ما يعني أن العلاقة أصبحت مؤسسية ممنهجة لا تعتمد على المواقف الظرفية.
المحور الثاني: البيان المشترك.. خريطة طريق للمرحلة المقبلة
وخرج البيان المشترك بين البلدين ليكون بمثابة وثيقة إطارية شاملة، أو خريطة طريق حقيقية لتعميق الشراكة الاستراتيجية؛ حيث لم يقتصر على العبارات الدبلوماسية العامة، بل تضمن بنودًا تفصيلية تغطي المحاور السياسية والاقتصادية والتنموية والتكنولوجية، إلى جانب المواقف من القضايا الإقليمية والدولية.
وحدد البيان ثلاثة محاور رئيسية لتعميق العلاقات، تتمثل في مواصلة الإبقاء على التبادلات رفيعة المستوى وحسن الاستفادة من آليات الحوار الاستراتيجي بين البلدين، وتوطيد التعاون ذي المنفعة المتبادلة في كافة المجالات، وتوسيع التنسيق في قضايا الحوكمة العالمية والدفاع عن مصالح الدول النامية ودول الجنوب العالمي، وهي محاور تعكس رؤية مشتركة لعلاقة دولية متوازنة، لا تقوم على التبعية، بل على الشراكة الحقيقية.
ثالثًا: التكامل بين «رؤية مصر 2030» و«الحزام والطريق»
ومن أبرز ما تضمنه البيان المشترك، الاتفاق على تحقيق مواءمة أعمق بين رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق الصينية، وهي مواءمة تجعل من مصر شريكًا محوريًا في أضخم مبادرة اقتصادية في العالم، بما يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية ومشروعات بنية تحتية وتنموية واسعة النطاق على الأرض المصرية.
المحور الثالث: المكاسب الاقتصادية والتنموية لمصر من الاتفاقات الثنائية
أولًا: توطين الصناعة.. نحو قاعدة صناعية مصرية متقدمة
واتفق الجانبان على بحث سبل التعاون في مجالات توطين الصناعة، وعلى رأسها صناعة السيارات الكهربائية وبناء السفن، وهي صناعات استراتيجية ثقيلة تسهم في نقل التكنولوجيا الصناعية إلى مصر، وخلق فرص عمل نوعية، وتحويل مصر إلى قاعدة تصنيع إقليمية تصدّر إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية المتعددة.
وشملت التفاهمات دعم التعاون بين الشركات المصرية والصينية في مشروعات الطاقة المتجددة، بما يشمل تصنيع الألواح الشمسية وأبراج الرياح محليًا، وهو ما يصب مباشرة في استراتيجية مصر لزيادة حصة الطاقة النظيفة من مزيج الكهرباء، ويقلل الاعتماد على الوقود المستورد، ويعزز أمن الطاقة الوطني.
ويمثل التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والتصنيع المحلي نقلة نوعية للاقتصاد المصري؛ إذ اتفق البلدان على توسيع التعاون في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والاقتصاد القائم على البيانات وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بعد، وهي مجالات المستقبل التي تؤسس لاقتصاد معرفي حديث قادر على المنافسة عالميًا.
وأكد البيان دعم تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تمثل بالفعل موطئ قدم صناعيًا ولوجستيًا صينيًا مهمًا في المنطقة، وتستقطب استثمارات صينية متنامية في مختلف القطاعات، بما يعزز مكانة القناة كشريان للتجارة العالمية ومركز للقيمة المضافة وليس مجرد ممر ملاحي.
خامسًا: تحلية المياه والمعادن الحرجة والزراعة
وتضمنت مجالات التعاون أيضًا تحلية مياه البحر، وهو ملف حيوي لمصر في ظل الضغوط المائية المتزايدة، إلى جانب التعاون في سلاسل إمداد المعادن والزراعة وتعزيز بناء القدرات البشرية، وهي ملفات تمس الأمن الاستراتيجي المصري في صورته الشاملة: الماء والغذاء والموارد والإنسان.
وعلى المستوى المالي، شملت الرؤية المشتركة توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة البينية وتفعيل ترتيبات تبادل العملات، وهو توجه يخفف الضغط على النقد الأجنبي في مصر، ويمنح الاقتصاد المصري مرونة أكبر في التعاملات التجارية مع أحد أكبر شركائه التجاريين في العالم.
المحور الرابع: إشادة صينية غير مسبوقة بـ«حياة كريمة»
وثمّن الجانب الصيني، في نص البيان المشترك، الجهود التنموية التي تبذلها مصر، وأشاد على وجه الخصوص بمبادرة «حياة كريمة»، واصفًا إياها بأنها نموذج تنموي يستهدف الارتقاء بمستوى معيشة المواطنين وتحقيق التنمية الشاملة، وتحسين البنية التحتية والظروف المعيشية في الريف المصري.