القائد الناجح.. الموهبة وحدها لا تكفي

قد يدرس المديرون في أفضل كليات إدارة الأعمال، ويتعلمون استراتيجيات القيادة واتخاذ القرار وإدارة الموظفين، لكن ذلك وحده لا يضمن نجاحهم. فبحسب المؤلف والعالم الحائز جائزة «بوليتزر»، جاريد دايموند، هناك عامل آخر غالباً ما يحظى باهتمام أقل، لكنه قد يكون حاسماً: أن يصل القائد إلى المكان والوقت المناسبين. يرى دايموند، في كتابه الأحدث «الأرباح والأنبياء والمدربون والملوك: متى يكون للقادة تأثير؟»، أن القادة الناجحين ليسوا بالضرورة أشخاصاً يولدون بصفات قيادية استثنائية، كما أنهم ليسوا بالضرورة نتاجاً مباشراً لمدارس الإدارة. بل إن نجاحهم يتشكل من تفاعل بين صفاتهم الشخصية وبين ظروف خارجية قد لا يملكون السيطرة عليها، مثل التوقيت، والموقع الجغرافي، والمنافسة، والقوانين واللوائح، وحجم السلطة التي يمتلكونها.**media[8169017]**القائد الموهوب يحتاج إلى بيئة مواتيةيقول دايموند إن هناك ظروفاً تجعل القيادة الفعالة شبه مستحيلة، بينما توجد ظروف أخرى يمكن فيها للمهارات القيادية أن تحدث فرقاً كبيراً.ويضرب مثالاً بتأسيس الشركات في الولايات المتحدة، موضحاً أن البيئة الأمريكية توفر عموماً عوامل مواتية لإنشاء الأعمال، بينها قوة الاقتصاد، وتوافر رأس المال، واستقرار القوانين التي تنظم الشركات وتحمي حقوقها. لكن الصورة كانت مختلفة تماماً خلال الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي، الذي أعقب انهيار سوق الأسهم عام 1929.وبالتالي، فإن الشخص الذي يملك المهارات نفسها قد يحقق نتائج مختلفة تماماً تبعاً للظروف المحيطة به. فالقائد يستطيع اتخاذ القرارات، لكنه لا يختار دائماً البيئة الاقتصادية أو السياسية أو التنافسية التي يعمل فيها.ويعتبر دايموند أن إدراك هذه الظروف يمثل بحد ذاته مهارة مهمة للقائد، لأن معرفة متى وأين يمكن أن يكون للقيادة تأثير حقيقي قد لا تقل أهمية عن امتلاك مهارات الإدارة نفسها.المؤسس يملك مساحة أكبر للتغييرومن أبرز العوامل التي يراها دايموند مؤثرة في نجاح القادة، موقع الشخص في التسلسل الإداري للشركة.فالمؤسس، بحسب رأيه، يملك عادة مساحة أكبر للتأثير من الرئيس التنفيذي الذي يصل إلى الشركة بعد تعاقب عشرات الرؤساء التنفيذيين. والسبب لا يتعلق بالضرورة بأن المؤسس أكثر موهبة، وإنما لأنه يصل في مرحلة يستطيع فيها وضع القواعد والثقافة والهياكل الأساسية للشركة.وهذه القرارات الأولى يمكن أن تستمر لسنوات طويلة. فإذا أسس صاحب الشركة مؤسسات وقواعد جيدة، فقد تصبح أساساً للنمو، وإذا كانت القرارات التأسيسية سيئة، فقد يصبح تغييرها لاحقاً أكثر صعوبة.لكن دايموند لا يرى أن الرؤساء التنفيذيين اللاحقين عاجزون عن تغيير مسار الشركات. ويشير إلى تجربة لي إياكوكا في شركة «كرايسلر» خلال أواخر سبعينات القرن الماضي، عندما تولى قيادة شركة كانت تواجه أزمة حادة، وتمكن من لعب دور رئيسي في إنقاذها.وبذلك، قد يكون تأثير القائد اللاحق أقل في الظروف العادية، لكنه يمكن أن يصبح كبيراً عندما تمر المؤسسة بلحظة تحول أو أزمة.الراتب الضخم لا يصنع قائداً استثنائياًوتطرح رؤية دايموند سؤالاً مهماً أمام مجالس إدارات الشركات التي تدفع رواتب ضخمة للرؤساء التنفيذيين، خصوصاً مع ارتفاع أجور كبار المديرين التنفيذيين في الولايات المتحدة.ويقول إن بعض الرؤساء التنفيذيين يستحقون بالفعل أجوراً هائلة إذا كانت قراراتهم تحدث فرقاً كبيراً في أداء الشركة، لكن ذلك لا يعني أن كل رئيس تنفيذي يستحق تلقائياً راتباً ضخماً.فقد تكون هناك شركات يستطيع عدد كبير من المديرين ذوي المهارات المماثلة قيادتها في الظروف نفسها، بينما توجد لحظات أخرى تحتاج فيها الشركة إلى قائد يتمتع بخبرة أو قدرات نادرة، ويستطيع التعامل مع أزمة أو تنفيذ تحول استراتيجي معقد.ومن هنا، فإن قيمة الرئيس التنفيذي لا يمكن فصلها عن المرحلة التي تمر بها الشركة. فقد تحتاج المؤسسة في فترة معينة إلى مدير هادئ يحافظ على الاستقرار، بينما تحتاج في مرحلة أخرى إلى قائد أكثر جرأة لإعادة بناء الأعمال أو دخول أسواق جديدة.التوقيت.. مهارة قيادية بحد ذاتهابالنسبة إلى دايموند، فإن القدرة على قراءة التوقيت والبيئة المحيطة ليست مجرد عامل خارجي، بل جزء من مهارات القيادة.ويشير إلى أن الشخصية القيادية وحدها لا تكفي. فقد يكون الشخص واثقاً من نفسه وجذاباً وقادراً على إقناع الآخرين، لكن وجوده في بيئة غير مواتية قد يحد بشدة من تأثيره.ولهذا السبب، يرى أن القائد يحتاج إلى الجمع بين الصفات الشخصية والظروف المناسبة. ويشمل ذلك معرفة متى يكون من المناسب المخاطرة، ومتى تكون الظروف ناضجة لتغيير كبير، ومتى يكون الأفضل الحفاظ على المسار القائم.**media[8169018]**الثقة والتفاؤل والاستعداد للمخاطرةومع ذلك، لا يقلل دايموند من أهمية الصفات الشخصية. فهو يرى أن النجاح في عالم الأعمال يتطلب قدراً من الثقة والتفاؤل والاستعداد للمخاطرة.فالذين يريدون القيام بأشياء لم تُنجز من قبل عليهم قبول احتمال الفشل. ويشير في هذا السياق إلى شخصيات مثل إيلون ماسك وستيف جوبز، اللذين واجها لحظات شديدة الصعوبة خلال مسيرتيهما. لكن المخاطرة، بحسب هذا التصور، ليست ضماناً للنجاح. فالشخص الذي يخاطر قد يحقق نتيجة كبيرة، وقد يفشل أيضاً. أهمية المخاطرة تكمن في أنها تتيح للقائد محاولة تحقيق نتائج لا يمكن الوصول إليها بالأساليب التقليدية.إقناع الآخرين بتحقيق المستحيلولا تكفي رؤية القائد لنفسه، إذ يحتاج إلى إقناع الآخرين باتباعه، خصوصاً عندما يطلب منهم تنفيذ أفكار تبدو في البداية صعبة أو غير واقعية.ويستشهد دايموند بجيف بيزوس، مؤسس «أمازون»، وبإيلون ماسك، الرئيس التنفيذي ل«تيسلا» و«سبيس إكس»، وبستيف جوبز، باعتبارهم أمثلة على قادة دفعوا موظفيهم إلى تجاوز الحدود التي اعتقدوا أنهم قادرون على بلوغها.فبيزوس كان معروفاً بدفع الموظفين إلى تنفيذ مهام يقولون إنها مستحيلة، بينما كان ماسك يطالب فرق العمل بزيادة سرعة التنفيذ. أما جوبز، فكان يدفع الموظفين إلى تحقيق مستويات أعلى مما كانوا يعتقدون أنهم قادرون عليه.ويشير دايموند إلى أن سجل القائد السابق يمكن أن يساعده كثيراً في هذا الجانب. فإذا تمكن من تحقيق أهداف اعتقد الآخرون أنها مستحيلة، يصبح من الأسهل عليه إقناع فريقه بالمحاولة مرة أخرى.القيادة ليست وصفة واحدةوتقود أفكار دايموند إلى نتيجة أوسع: لا توجد وصفة واحدة للقيادة تصلح لكل الشركات وكل المراحل.فالمؤسس يملك تأثيراً أكبر في تشكيل المؤسسة، والرئيس التنفيذي في أوقات الأزمات قد يحتاج إلى مهارات مختلفة عن تلك المطلوبة خلال فترات النمو المستقر. كما أن الشركة الخاضعة لتنظيم حكومي شديد تمنح رئيسها التنفيذي مساحة مختلفة تماماً عن شركة تعمل في سوق أكثر مرونة.ولهذا، فإن تقييم القائد لا يتعلق فقط بما إذا كان موهوباً أو واثقاً أو جريئاً، بل أيضاً بالسؤال عن الظروف التي يعمل فيها، والمساحة التي يمتلكها للتغيير، والمرحلة التي تمر بها المؤسسة.وبالنسبة إلى دايموند، قد تكون القيادة في جوهرها تفاعلاً بين الشخص واللحظة: المهارات تمنح القائد القدرة على التحرك، لكن التوقيت والبيئة يحددان إلى حد كبير مقدار ما يمكن لهذه القدرة أن تحققه.